اعداد : محمد لقمان بن علي الشامل العرفاني الكامل الثقافي
read this in pdf https://drive.google.com/file/d/1te6xIjGIQpw9CbyIesOLByhxoRVUhyUE/view?usp=drive_link
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى أله وحبه أجمعين
أما بعد
فالقرآن كتاب دل على صدق متحمله ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها ، وبرهان شهد له برهان الأنبياء المتقدمين. وبينة على طريقة من سلف من الأولين ، حيرهم به إذا كان من جنس القول الذي زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية وبلغوا فيه الغاية فعرفوا عجزهم ، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج ، والوصول إلى أعلى مراتب الطب . فجاءهم بما بهرهم من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص . وكما سخر لسليمان من الرياح والطير والجن حين كانوا يولعون بدقائق الحكمة ، وبدائع من اللطف . ثم كانت هذه المعجزة مما يقف عليه الأول والآخر وقوفا واحدا . وبقى حكمها الى يوم القيامة ( الباقلاني : إعجاز القرآن ص ١٨٩)
فإذن يجب علينا أن نحاول معرفة اإعجاز القرآن وذوقه . ولكن كيف نذوقه وكيف نعرفه . فلا بد لنا من البحث في كيفية إدراك إعجاز القرآن.ونقدم لك بعض الأمثلة لإعجازه ونضع شروطا لذوق إعجازه وبلاغته.ونثبت أن ذوقه يمكن لمن عرف العربية.
المشكلة
نحن معاشر المسلمين نقرأ القرآن كل يوم وليل . ونتعلم أو نعلم معنيه وتفاسيره وتجويده وأحكامه وغير ذلك . ولكن جل الناس لم يمكن لهم ذوق إعجاز القرآن وبلاغته ولا يعرفون كيفية ذوقه . حيث تحدى القرآن المشركين بأن يأتوا به أو بأقصر سورة منه فنلزم علينا كشف بلاغته وإعجازه وكماليته وأسلوبه ومميزاته بين كلام العرب.وان أحد من الكافرين ركب كلاما وزعم أنه مثل القرآن فأيها المسلمون كيف نرد كلامه علي قفاه.وكيف نثبت أن القرآن أبلغ وأكمل وأحسن من كلام هذا . ونقوم أن شاء الله بكيفياته وطرقه.
ما الإعجاز
كلمة إعجاز مصدر وإضافتها الي القرآن من إضافة المصدر لفاعله فكأن التقدير أعجز القرآن الناس أن يأتوا بمثله ، ومعنى هذا أن القرآن الكريم دل بما فيه من بيان على أنه من عند الله ، وثبت عجز الناس عن أن يأتوا بمثله . وقد عرفه القاضي الهمداني رحمه الله يقوله ” معنى قولنا في القرآن أنه معجز ، أنه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة فعل مثله ، في الذي اختص به. ( المغني في أبواب التوحيد والعدل: ١٦/٢٢٦)
القرآن يعجز العرب
تحدى القرآن العرب على أن يأتوا بمثله ولكن عجزوا عنه لأنه من عند الله تبارك وتعالى.
لقد نزل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة لغوية بيانية ، وقد امتاز النقد عند العرب حينئذ بسلامة السليقة وسرعة البديهة ، إذ أنهم عرفوا الكثير من أصول النقد الأدبي معرفة ناتجة عن ذوق معلل ، وقد كانوا يعتقدون الأسواق ليعرضوا فيها أنفس بضائعهم وأجود صناعتهم بضاعة الكلام وصناعة الشعر والخطابة ، يتبارون في عرضها ونقدها واختيار أحسنها والمفاخرة بها ، ويتنافسون فيها أشد التنافس.
ولكنهم عندما سمعوا القرآن يتلى عليهم استولى على مسامعهم وقلوبهم ، وصار حديث نواديهم ومجامعهم تهتز له الألباب والأفئدة. وكان حريا بهم وقد تذوقوا حلاوته أن يؤمنوا به كتابا منزلا ، وبالذي جاء به نبيا مرسلا ، ولكنهم كانوا أشد عنادا ، فتحداهم القرآن وأرخى لهم العنان في التحدي ، ولكنهم وقفوا أمام القرآن موقف العجز فلم يستطيعوا معارضته ، مع أن الأسباب الباعثة على المعارضة كانت موفورة متضافرة .
لذلك كان القرآن شغل العرب الشاغل ، فلجأوا إلى وسائل كثيرة لمقاومته باللطف أو بالعنف فأغروا النبي صلى الله عليه وسلم بالمال ليكف عن دعوته ، وتوصوا على مقاطعته وحبسه ، ومنعوا صوت القرآن بأن لا يجيء احد منهم الى دور المسلمين خشية أن يسمعه أحد من أبنائهم ، وألقوا فيه الشبهات والمطاعن فقالوا كاهن أو مجنون أو ساحر ليصدروا عنه الآخرين ، وكل هذا لأنهم أحسوا في قرآنه قوة غلابة وتيارا جارفا يريد أن يبسط سلطانه حيث يصل وأنهم لم يجدوا سبيلا لمقاومته من طريق المعارضة الكلامية ، فكان الطريق الوحيد لمقاومته الحيلولة بين هذا القرآن وبين الناس فخاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحروب الطويلة وضحوا في سبيل ذلك بالغالي والنفيس .
خصوصيات نظم القرآن من بين سائر النظام
كلام العرب يدور بين الشعر والرجز والسجع والنثر المرسل وبين كلام موزون مقفى وكلام غير موزون وحينما ننظر في القرآن الكريم نجده جاء على طريقة مغايرة لكل ما عرفه القوم .
* القرآن نسق واحد في البلاغة ليس بين آياته تفاوت واختلاف فالقرآن على طوله متساو في الفصاحة والبلاغة ، وهذا ما لا تجده في كلام الفصحاء والبلغاء ، فإذا أخذنا ديوان شعر لأكثر الشعراء إتقانا فسوف نجد قصائده متفاوتة من حيث بلاغتها فقد يجود الشاعر في قصيدتين أو ثلاث وكذلك إذا أخذنا القصيدة الواحدة فلن نجد أبياتها سواء وإنما نجد بيتا أو اثنين أو ثلاثة هي في القصيدة واسطة عقدها ودرة حلقتها وقل مثل ذلك في النثر فقد يجود كاتب في مقالة أو مقالتين ، لكن القرآن أوله أو آخره سواء في بديع النظم وعلو الأسلوب.
* موضوعات القرآن جميعها على ما بينها من إختلاف لا نستطيع القول أن بعضها أفصح من بعض ، فكما أن آيات القرآن لا تتفاوت فكذالك موضوعاته ، وهذا أمر لم يعرفه العرب ، فالشاعر لا يستطيع أن يجود في موضوعات متعددة ، قد يجود أحدهم في المدح وآخر في الهجاء ، وثالث في الفخر وذلك مثل الفرزدق وجرير وقد يجود شاعر في الهجاء وآخر في الغزل والنسيب وثالث في الحكمة ، وقد يجود أحدهم اذا خاف ورهب ، وآخر اذا انتشى وطرب ، وثالث اذا اعطي ورغب ، ومن هنا قالوا ” أشعر الناس امرؤ القيس اذا ركب ، والنابغة اذا رهب ، وزهير اذا رغب ، والأعشى اذا طرب.
والقرآن ليس كذلك فعلى الرغم من كثرة موضوعاته فهي في رفعة شأنها سواء من جهة ، ومن جهة أخرى وعلى الرغم من الأحوال المتعددة التي كان عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نزول الوحي عليه ، فإن ذلك لم يغير من أسلوب القرآن شيئا
( الباقلاني : إعجاز القرآن ص٤٢)
* الأحرف المقطعة في فواتح السور(مثل ا ل م) التي نجدها في ثمان وعشرين سورة ومجموع هذه الحروف أربعة عشر حرفا ، وهي نصف الحروف الهجائية ، ولكن لكل حرف صفات خاصة به ، وصفات الحروف كثيرة ذكر علماء التجويد منها سبع عشرة صفة ، فإذا نظرت الى الحروف المفتتحة بها السور القرآنية وجدت أنها اشتملت على جميع الصفات.
( للمزيد أنظر أوائل تفسير البيضاوي لسورة البقرة)
* التناسق والتقابل في مثل سورة الليل قال تعالى : والليل اذا يغشى والنهار إذا تجلى . إنهما شيئان أسود وأبيض ، ليل ونهار ، وكأنما السورة كلها تقوم على ذلك المشهد فهناك الذكر والأنثى، وأعطى واتقى ، وبخل واستغنى، واليسرى والعسرى ، والآخرة والأولى ، والأشقى والأتقى ، وصدق وكذب ، ويصلى ويجنب ، ويتزكى ويرضى .
* اشتماله على حكم ومعانٍ صحيحة، وعدم وجود اختلاف بينها مع كثرتها، وهذا الوجه من الإعجاز يدركه حتى من لا يعرف بلاغة اللغة العربية.
أمثال محاولة المعاندين لمجيئ بمثل القرآن
حكي عن مسيلمة من قوله ” يا ضفدع نقي كم تنقين لا الماء تكدرين ولا الوارد تنفرين ” حكي عن بعضهم ” الم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشي ” ” الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل ، له مشفر طويل ، وذنب أثيل وما ذاك من خلق ربنا بقليل ”
ولكن هل يمكن أن تسمى هذه معارضات ؟ اذا نظرنا إلى كلام مسيلمة وجدناه خاليا من أي فائدة ( الخطابي : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٥٦ ) وأما قول الآخر “الفيل وما الفيل ” وقوله ” الم تر كيف فعل ربك بالحبلى” فكل واحد من هذين الوصفين خال من أوصاف المعارضات وشروطها و ليس من شأنها أن يتحيف من أطراف كلام خصمه فينسف منه ثم يبدل كلمة مكان كلمة فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق ثم يزعم أنه قد وافقه موقف المعارضين ( الخطابي : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٥٨ )
يقول الإمام الخطابي بأن من أراد أن يعارض شاعرا في قصيدة ، أو كاتبا في خطبة فلا بدمن شرطين . الأول : أن يأتي بكلام وألفاظ جديدة . والثاني : أن يأتي بمعنى بديع . وذلك لا يرى في كلام مسيلمة وغيره.
أما القول ” ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ” فيبين الخطابي أن هذا القول ساقط لأكثر من سبب :
١- أولا فلأنه وضح أمر النعمة ، وتحدث عن أسلوب الفضل والمنة بما يدل على الإنتقام والعذاب فإن اخراج الجنين من بطن أمه نعمة من نعم الله والتعبير بهذا القول إنما يأتي في مواضع الإنتقام والعذاب وهذا أمر لا يجهله ذو بصيرة ويدل عليه قوله سبحانه ” ألم تر كيف فعل ربك بعاد ( الفجر : ٦) وقوله تعالى ” ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل “( الفيل :١)
٢- ثانيا : فليس صحيحا أن الجنين يخرج من بين الشراسيف والحشى
٣- ثالثا : فليس هذا شأن المعارضة ، فإن هذا الكلام إنما استرقه قائله من أسلوب القرآن.
وأما قولهم ” الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل ” فمع أنه محاكاة لما جاء في كتاب الله في مثل قوله القارعة ما القارعة وقوله ” الحاقة ما الحاقة إلا أنه مع ذلك ساقط لان مثل هذا الأسلوب يأتي في مقام التهويل ، وصاحب هذا القول جاء به حيث لا تهويل ، بل لا فائدة فيه كذلك ، فما زاد على المشفر والذنب ، وهذا أمر لا يجهله الصبيان، ويا ليته جاء ببعض الأمور المستغربة عن الفيل.
ومن قرآن المسيلمة ” والمبذرات زرعا ، والحاصدات حصدا ، والذاريات قمحا ، والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما ، إهالة و سمنا لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم اهل المدر ، ريفكم فامنعوه ، والمعتر فآووه والباغي فناوئوه ” فقد حاول المسيلمة لتركيب مثل سورة الذاريات فأين هذا منه ”
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا .فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا . فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا . فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا .إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ .
(سورة الذاريات )
أتلوا يا أخي هذه الآيات مع كلمات هذا الكذاب مرارا . فيبدوا لك إعجاز آيات الرحمان لفظا ومعناو لذة وضعف آيات المسيلمة ركاكة وتعقيدا وقبحا.
ومن قرآنه أيضا “والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها ، والشاة السوداء ، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون”
الشاعر ابو الطيب المتنبي زعم أنه أنزل عليّ قرآن ومنه “والنجم السيار ، والفلك الدوار ، والليل والنهار ، إن الكافر لفي أخطار ، امض على سنتك ، واقف أثر من قبلك من المرسلين ، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه ، وضل عن سبيله “
وأبو العلاء المعري حاول لمعارضة القرآن ومن قوله ” أقسم بخالق الخيل ، والريح الهابة بليل ، بين الشرط مطلع سهيل ، إن الكافر لطويل الويل وإن العمر لمكفوف الذيل ، تعد مدارج السيل ، وطالع التوبة من قبيل ، تنج وما إخالك بناج” (راجع إعجاز القرآن والبلاغة لصادق الرافعي ص١٧٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(سورة لقمان ٢٧)
إعجاب المعاندين في شأن القرآن
روي أن الوليد بن عتبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إقرأ فقرأ عليه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة النحل ٩٠) فقال : أعد ، فأعاد ، فقال : والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر وما يقول هذا بشر
( المستدرك ٢/٥٠٦ للمزيد أنظر البداية والنهاية ٣٩١)
كيف نذوق إعجاز القرآن وبلاغته
قال الإمام الباقلاني في إعجاز القرآن: قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية ، من العجم والترك وغيرهم ، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا أن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك …… …. ….
وكذلك نقول إن من كان أهل اللسان العربي إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ، ووجوه تصرف اللغة . وما يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره فهو كالأعجمي ، في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن ………….
فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي ، ووقف على طرقها ومذاهبها فهو يعرف القدر الذي ينتهي اليه وسع المتكلم من الفصاحة ، ويعرف ما يخرج عن الوسع ويتجاوز حدود القدرة ، فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر ، وكما يميز بين الشعر الجيد والرديئ ، والفصيح والبديع ، والنادر والبارع والغريب.
وهذا كما يميز اهل كل صناعة صنعتهم ، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره ويعرف البزار من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى علي غيره ( إعجاز القرآن: ص ٨٢)
قلت : يمكن أن يعرف العجم شيئا من إعجاز القرآن كما ترى بعد بل قد يعرف معظمه بأن توغل في اللسان العربي ومكالمته للعرب.
مثلا نمكن أن نعرف اعجاز الأية ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب (سورة البقرة ١٧٩)
قوله ولكم في القصاص حياة معناه كثير ولفظه يسير لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا له إلى أن لا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان بارتفاع القتل حياة لهم وفي مثل هذا كان العرب يستعملون” القتل أنفى للقتل” وفضل قول الله على قول الناس أنه أوجز في هذا المعنى بقلة حروفه فحروف في القصاص حياة مع التنوين أحد عشر وحروف القتل أنفى للقتل أربعة عشر, وأنه أصرح بالمطلوب( والتصريح يرغب العام والخاص فيه لأن النص على المطلوب اعون على القبول بخلاف قولهم المذكور فإنه يدل على المطلوب وهو ثبوت الحياة باللزوم من جهة أن نفي القتل يستلزم ثبوت الحياة), وأنه يفيد التعظيم لتنكير “حياة” لمنع القصاص إياهم عما كانوا عليه في الجاهلية من قتل جماعة اي عصبة القاتل فكانوا في الجاهلية اذا قتل واحد شخصا قتلوا عصبته فلما شرع القصاص الذي هو قتل القاتل فقط كان في القصاص حياة لاولياء القاتل فحصل لهم في هذا الجنس من الحكم اعني القصاص حياة عظيمة ، أو أنه يفيد النوعية فالمعنى ولكم في القصاص نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة للذي يقصد قتله وللذي يقصد القتل بالإرتداع عن القتل لعلم القاتل أنه يقتل اذا قتل أحدا من الناس ، وأنه يفيد اطراده وعمومه لأفراده إذ الاقتصاص مطلقا ( اي في كل وقت وفي كل فرد من أفراد المكلفين) سبب الحياة بخلاف القتل فإنه قد يكون أنفى للقتل كما في القصاص وقد يكون ادعى له لأنه اذا قتل جماعة بواحد يقتل كذلك من جهة أخرى فيكثر القتل أعني إذا قتل أصحاب المقتول القاتل وعصبته بعادتهم قد يقتل أصحاب القاتل غيرتا أصحاب المقتول بعدد المقتولين منهم للتساوي بينهم ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام يشرح القصاص كانت فيه حياة ، وأنه يخلوا عن التكرار بخلاف قولهم فإنه يشتمل على تكرار القتل ولا يخفى أن الخالي عن التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة ، وأنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف بخلاف قولهم فإن تقديره القتل أنفى للقتل من تركه ، وأنه يشتمل على صنعة المطابقة وهي الجمع بين معنين متقابلين في الجملة (راجع مختصر المعاني مع حاشية الدسوقي: :١٣٧ -٢/١٣٥,تفسير الكشاف ص ١١١)
ألا هل يمكن لأحد من البلغاء أن يعبر بأحسن وأبلغ وأفصح من هذه الآية الكريمة.
وقال العرب:
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ ♦♦ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُول
ويقول القرآن: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ فما نطق به القرآن أوجز وأبلغ ولا يقدر بأوجز وأبلغ منها.
ونعرف العجز عن قوله تعالى إِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ الاسلام (سورة آل عمران ١٩) واذا نعبر بإن الشريعة عند الله الإسلام أو بأن الملة عند الله الإسلام ففيه كلفة لأن الشريعة تنسب غالبا إلى صاحبها ورسولها كما يقال شريعة عيسى وشريعة موسى وشريعة نبينا صلى الله عليه وعليهما وسلم ويندر قول شريعة الله تعالى . والدين وضع إلاهي سائق لذوي العقول بإختيارهم المحمود الى ما هو خير لهم بالذات (تحفة المحتاج ١/٢١) والمقصود هنا ذكر أن الدين الحق عند الله الإسلام ولم يقصد إن الدين المعتبر عند الأنبياء أو الملائكة هو الإسلام . ولم يناسب هنا الشريعة كما لا يناسب الملة فإن الدين والشريعة والملة واحد ما صدقها، سميت مِنْ حَيْثُ انْقِيَادِ الْخَلْقِ لَهَا دِينًا، وَمِنْ حَيْثُ إظْهَارِ الشَّارِعِ إيَّاهَا شَرْعًا شَرِيعَةً، وَمِنْ حَيْثُ إمْلَاءِ الشَّارِعِ إيَّاهَا مِلَّةً (نهاية المحتاج ١/٣٢) فالمناسب هنا ذكر إنقياد الخلق فكان المعنى إن الطريق المنقاد له عند الله هو طريق الإسلام . ثم نعرف العجز عن باقي قوله من الآية عند، والله، والإسلام. ولا يكون مفرداتها أحسن منها والمقام ليس يناسب ذكره وتفصيله.
نقدر على كشف إعجاز القرآن وبلاغته ولكن نحتاج له إلى آلات ووسائل. فليعلم من يريده علم النحو والصرف واللغة جيدا وليشتغل بالعربية وليتعرف بأسلوبها نظمها ونثرها قديما وحديثا.وليقرأ مؤلفات الأدب ودواوين أشعار العرب في الجاهلية والإسلام مثل المعلقات السبعة ومقامات الأدباء وقصصهم . وليتفوق في علم البلاغة والمعاني والبيان والبديع وليعلم باستعمالات العرب ويميز غريب الألفاظ من غيرها ونادرها من مشهورها وسقيمها من جيدها. ومع ذلك يكون له العقل والفهم والعلم في سائر الفنون
فإذن يبلغ الي حد يعرف به أحوال الكلام وبه يكتشف بلاغة القرآن وإعجازه ولكن لا يقدر على ذوقها تماما كما قال الإمام الباقلاني بل بعضها وقليلها. وأقل ما يبلغ إليه هو أن يعرف أن القرآن ليس من كلام الخلق جنا وإنسا بل لخالقهم ومدبرهم ومربيهم . ويعلم أن كلام الله غير كلام الخلق.وليس له مثل من كلام البلغاء . ولا يمكن أن يأتي بمثله الفصحاء.
أولا يفعل تفصح تفاسير الآية التي يريد معرفة إعجازها ليعلم معانيها جليها وخفيها ظاهرها وباطنها صريحها وكنايتها منطوقها ومفهومها . ويميز راجحها من مرجوحها . ويعلم تركيبها وإعرابها ، وينظر سبب نزولها ويتعرّف مقامها وحالها وسياقها وسباقها ولحاقها وإرتباط تاليها وسابقها بها.
وثانيا يتعرّف تركيب الآية وبنائها.ويعرف حال جملتها إسميتها وفعليتها وحال مسند إليه ومسند به أهما فعل أو اسم وتقديم أحد منه على الآخر وتأخيره وينظر الي تأكيداتها وكم هي فيها ويطلع على محذوفاتها وزوائده وغير ذلك من المباحث البلاغية.
وثالثا يشعر طريق الآية أهو الحقيقة أو المجاز وإن كان فيها المجاز يبحث عن أي نوع من المجاز يوجد فيه أهو مجاز في الإسناد أو في الكلمة الي غير ذلك من الوجوهات البيانية.
فإذن يفرغ الله على قلبه البصيرة ، ثم يتدبر وينظر إلى أسباب فيبحث لمَ لمْ يقدم هذا على ذلك أو لم قدم هذا على هذا. ولمَ أكد هذا أو لم لم يأكد الي غير ذلك من الأسباب .فإذن ليظهر بفضل الله حسن هذه الآية . ثم يكتشف عن أسرار إختيار ألفاظ الآية. ويسأل أي سر بهذا اللفظ دون غيرها من المترادفات. ويولع في بحر علم اللغة ويبحث عن غير ذلك فحينئذ يجلي عليه أسراره وبلاغته.ويستفيد أنه وضع في الآية أحسن النظم وأبدع الألفاظ وأجمل الكلام .ولا يقدر على أفضل منها بأي وجه من الوجوه وأنه هو أقصى الغاية وأرفع الدجات في البلاغة. فكيف يمكن للإنس والجن أن يركب بمثل هذا. وهو محال ويعلم أن معرفتي في هذه الآية قليل ذليل وأن فيها بلاغات وأسرار ما لا يحصى ويفهم أن غير هذه الآية كذلك ويتعجب من كلام الله عز وجل ويتلوا هذه الآية قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (سورة الكهف ١٠٩)
إن يفعل كذلك يطلع على إعجاز القرآن وبلاغته ويزيد إيمانه على إيمانه فيقود الى لجة الوصول إلى الله عز وجل ويكثر العبادة له والأعمال الصالحة.
شبهات المعارضين ودفعها
١: قوله تعالى فَأَكَلَهُ ٱلذِّئبُۖ (سورة يوسف ١٧) والمعارض يرى أن كلمة أكل ليست فصيحة هنا ، والأفصح أن يقال : افترس ، لأن الأفتراس خاص بالسباع ، والأكل عام لا يختص به حيوان دون حيوان .
ج (جواب) : قوله تعالى فَأَكَلَهُ ٱلذِّئبُ فيبين أن الفرس أصله دق العنق ، ومعناه القتل فحسب ، أما الأكل فهو الإتيان على جميع أجزاء الفريسة وأعضائها ، ولو أن إخوة يوسف قالوا لأبيهم إفترسه لطالبهم ببقية أجزائه وهذا ملحظ بياني . أما الملحظ اللغوي وهو أن إسناد الأكل للسبع أمر عرفته العرب ، وكثر في أقوالهم وشعرهم ، من ذلك قول العباس بن مرداس :
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وكقول القائل :
فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى
بصاحبه يوما دما فهو أكله
وحكي عن بعض الأعراب قوله ” أكلوني البراغيث ” و ” وأكل الذئب الشاة فما ترك منها تامورا “( الخطابي : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٤٥ )
٢ : قوله تعالى : وَٱلَّذِینَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ
(سورة المؤمنون :٤) قالوا : لا معنى لكلمة فاعلون ، لأننا لا نقول فعل الزكوة ، بل نقول أدى الزكوة ، ولذلك ينبغي القول والذين هم للزكوة مؤدين.
ج : كلمة الأداء والإعطاء وما يشبهها لا تسد مسد الكلمة القرآنية ، لأن الكلمات لا تزيد على أنهم يعطون الزكوة وقد يكون هذا الإعطاء مصحوبا بالكراهية و عدم طيب النفس ، ولكن كلمة الفعل تدل على غير هذا ، فهي تدل على أن إعطاء الزكوة أصبح سجية فيهم وطبيعة لهم ، وعلى هذا فالمقصود من الآية الكريمة المبالغة في أدائها والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم فيصير أداء الزكوة فعلا لهم مضافا إليهم يعرفون به فهم له فاعلون ، وهذا المعنى لا يستفاد على الكمال الا بهذه العبارة ، فهي إذاَ أولى العبارات وأبلغها في هذا المعنى ( الخطابي : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٤٥ )
٣ : لم قدم الريب في الآية ذَ لكَ ٱلكِتَـٰبُ لَا رَیب فِیهِ هُدى لِّلمُتَّقِینَ (سورة البقرة :٢) على الجار والمجرور وهو قوله ” فيه” والريب اسم لا النافية للجنس ، بينما جاءت آية أخرى على عكس ذلك ، فتقدم فيها الجار والمجرور وهي قوله سبحانه في وصف خمر الجنة : (لَا فِیهَا غول وَلَا هُم عَنهَا یُنزَفُون(سورة الصافات: ٤٧)
ج :فاعلم أن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد التخصيص فالمقصود فقوله ( لا ريب فيه ) يفيد نفي جنس الريب عن القرآن الكريم دون التعرض لغيره من الكتب ؛ إذ لو قال ( لا فيه ريب) لكان المعنى نفي الريب عن القرآن وإثباته لغيره من الكتب الأخرى ، وهذا غير مراد هنا .
أما قوله ( لا فيها غول ) فالمقصود منه شيئ آخر ، إذ للقرآن هنا هدفان إثنان : نفي الغول ( والغول اهلاك الشيء من حيث لا يحس به ) عن خمر الآخرة وهو ما فيها من ضرر ، وهذا هو الهدف الأول ، أما الهدف الثاني:فهو إثباته في خمر الدنيا ، ولو قال ( لا غول فيها ) لم تفد إلا شيئا واحدا وهو نفي الغول عن خمر الآخرة ( الزمخشري : الكشاف : ١/٣٤)
٤ :لم وسطت الواو في قوله
أُوـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هدى مِّن رَّبِّهِم وَأُوَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلمُفلِحُون (سورة البقرة) ولكننا لا نجدها في آية الأعراف : أُولَـٰۤىِٕكَ كَٱلأَنعَـٰمِ بَل هُم أَضَلُّ أُوَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلغَـٰفِلُونَ(سورة الأعراف ١٧٩)
ج : الواو وسطت في آية البقرة لأن الجزاء مختلف فللمتقين جزاءان : صحة المنهج وهو قوله أُولَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هدى مِّن رَّبِّهِم ثم الغاية والنتيجة وهي قوله وَأُولَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلُفِحُونَ فالأمران مختلفان ، لذا جاء حرف العطف . أما آية الأعراف فليس فيها إلا شيء واحد ، فإن كونهم كالأنعام بيان لغفلتهم ، ولو أن الواو ذكرت في الآية فقال : وَأُوَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ
( كشاف :١/٤٣)
خاتمة
نعرف بهذا البحث نبذة من إعجاز القرآن وبلاغته.ونقول أن ذوقه من الممكن لأي امرء يعرف اللسان العربي ولا يشترط نهاية العلم في العربية وغايته . وقد عرضت شروط وآلات لذوق إعجاز القرآن وبلاغته.وما نذكر من الأمثلة للإعجاز قليل جدا . والقرآن كله معجز والإعجاز تضمن في كل آية من آياته وفي كل سورة من سوره.ولا يمكن لأحد من الجن والانس ان يأت بمثل القران ولو كان بعضهم لبعص ظهيرا .
قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
———–
كيف نذوق الإعجاز البلاغي في القرآن، كيف نتذوق الإعجاز البلاغي للقرآن، إعجاز القران ،
Please support our efforts: you can buy our books.
نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر مع التعليق والتحقيق
Nuzhathunnalar fi thoolihi nuqbathul fikr
Download book sample
Total Pages: 168
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹150 in India, ₹200 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الورقات في علم أصول الفقه مع التعليق والتحقيق
Sharahul waraqath
Download book sample
Total Pages: 120
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹130 in India, ₹180 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الميبذي على هداية الحكمة مع تعليقات
Sharahul maibadi ala hidayathul hikma
Download book sample
Total Pages: 200
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹230 in India, ₹280 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الورقات مع حاشية الدمياطي
Sharahul warakath with Hshiyathu thamyathi
Download book sample
Total Pages: 72
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹90 in India, ₹140 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الرشيدية على الرسالة الشريفة في آداب البحث والمناظرة مع التعليقين
Sharahu rasheediyya ala risalathishareefa
Download book sample
Total Pages: 96
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹90 in India, ₹140 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
تحرير القواعد المنطقية المعروف بالقطبي في شرح الرسالة الشمسية مع حاشية الجرجاني (القطبي ومير القطبي)
Thahrirul qavaidul mandiqiyya with hashiyathul jurjani (quthubi, meer)
Download book sample
Total Pages: 208
Page Thickness: 55 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹185 in India, ₹235 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
Leave a reply to Sasm Cancel reply