اعداد : محمد لقمان بن علي الشامل العرفاني الكامل الثقافي
Read this in pdf https://drive.google.com/file/d/1-FkrvodVSLkhiyeJDm4SymLi0sEXZlS7/view?usp=sharing
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى أله وحبه أجمعين أما بعد
البدعة في الدين من كبائر المعاصي وعظائم المحرمات ، دل على حرمتها الكتاب والسنة، وقد أوعد صاحبها النار على لسان النبي الأكرم عليه أفضل الصلوات وأزكى التحيات وعلى أله وصحبه وسلم ، وما هذا إلا لأن المبتدع ينازع سلطان الله تبارك وتعالى في التشريع والتكليف ، ويتدخّل في دينه ويشرع ما لم يشرعه الدين ، فيزيد عليه شيئا وينقص منه شيئا في مجالي العقيدة والشريعة ، كل ذلك افتراء علي الله فَمَنِ ٱفتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ مِن بَعدِ ذَ لكَ فَأُولَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ(سورة آل عمران ٩٤)
إن المسلمين بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم تفرقوا إلى أمم ومذاهب مختلفة ولم يكن ذلك إلا إثر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة بإدخال ما ليس من الدين في الدين وكان عملهم تحويرا لصميم العقيدة الإسلامية وشريعتها . فلولا البدعة والمبتدعون وإنتحال المبطلين ، لكانت الأمة الإسلامية أمة واحدة ، لها سيادتها على جميع الأمم والشعوب في المعمورة . وما أثنى ظهورهم الا دبيب المبتدعة بينهم ، فشتتهم وفرقهم بعد ما كانو صامدين كالجبل الأشم .
إن الحروب الدموية التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها وخضبت الأرض بالدماء الطاهرة وسلّ المسلمون سيوفهم في وجه بعضهم ، مكان سلها في وجه الأعداء فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الأرض كانت نتيجة البدع في الدين النابعة عن الأهواء والميول النفسانية فكانوا يحاربون باسم الدين . ولم يكن الدين إلا في جانب واحد ، لا في جوانب متكثرة .
تعريف البدعة
البدع لغة : ما كان مخترعا { ابن حجر الهيتمي : التبيين بشرح الأربعة ص ٢٢١} اي إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة { الخليل : ترتيب العين ص ٧٢}
و المراد بالبدعة ( شرعا )ما أحدث ( اي في الدين ) مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة {ابن رجب الحنبلي : جامع العلوم الحكم : ١٦٠} وعرف أيضابأنه ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص أو العام{ ابن حجر الهيتمي : التبيين بشرح الأربعة ص ٢٢١} وقال الغزالى رحمه الله : وما يقال : إنه أبدع بعد رسول الله ، فليس كل ما أبدع منهيا بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة ، وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته ، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال اذا تغيرت الأسباب { إحياء علوم الدين: ٣/٢}
وقال ابن العربي : ليست البدعة والمحدث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معناهما ، وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلي الضلالة أه. وأما التطوير في ميادن الحياة وشؤونها فإن كان بدعة لغة فليس بدعة شرعا بل يتبع التطوير في الحياة جوازا ومنعا الحكم الشرعي بعناوينه فإن حرمه الشرع ولو تحت عنوان عام فهو محرم ، وإلا فهو حلال لحاكمية أصل البراءة في العادات ما لم يرد دليل علي الحرمة (أنظر المستصفى للغزالي ٩/٤)
وعلى ضوء ذلك تنحل هناك عويصة المصاديق التي ربما تعد من البدعة لأجل عدم ورود نص خاص ولكن العمومات تشمله بعمومها ، فهذا ما نوضحه بالمقابل التالي : إن الدفع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده عن الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه : وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱستَطَعُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَیلِ تُرهِبُونَ بِهِعَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم (سورة الأنفال ٦٠) فإن قوله مِّن قُوَّة مفهوم كلي يشمل عامة كيفية الدفاع ونوع السلاح وشكل الخدمة العسكرية المتبعة كل عصر ومصر ، فالجميع برمته هو تطبيق لهذا المبدأ ، وتجسيد لهذا الأصل ، فالتسلح بالغواصات والأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من أدواة الدفاع ، ليس بدعة بل تجسيد لهذا الأصل ومن حلاله .
ومن العجب أن أناسا صاروا بتحديد البدعة وتمييزها عن السنة ، وقد جاءوا في تحديدها ببدعة وفرية جديدة لا دليل لها في الكتاب والسنة ، وهي أن المقياس في تمييز البدعة عن السنة هو القرون الثلاثة الأولى بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم. فما حدث فيها فهو سنة وما حدث بعدها فهو بدعة ، وإن تعجب فإليك نص القائل :
” ومما نحن عليه ، أن البدعة – وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة – مذمومة مطلقا خلافا لمن قال : حسنة وقبيحة ، ولمن قسمها خمسة أقسام إلا إن أمكن الجمع بأن يقال : الحسنة ما عليها السلف الصالح شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة وتكون تسميتها بدعة مجازا ، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرمة والمكروهة فلا بأس بهذا الجمع ” ( الهدية السنية ، الرسالة الثانية ص ٥١)
وهذه النظرية الشاذة عن الكتاب والسنة نظرية خاصة استنتجها القائل مما رواه الشيخان في باب فضائل أصحاب النبي وإليك نصهما.
روى البخاري عن عمران بن الحصين يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، قال عمران : فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، ثم أن بعدكم قوم ، يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن ( بخاري: ح ٣٦٥٠)
وروى أيضا عن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته ، قال : قال إبراهيم : وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (بخاري: ح ٣٦٥١ ، مسلم : ح ٢٥٣٣)
إن الإحتجاج بهذه الأحاديث على أن الميزان في تمييز البدعة عن السنة ، هو أن كل ما حدث في القرون الثلاثة الأولى فليس ببدعة ، وأما الحادث بعدها فهو بدعة ، هو باطل بوجوه :
الأول : إن القرن في اللغة هو النسل وبهذا المعنى إستعمل في القرآن الكريم قال سبحانه:
أَلَم یَرَوكَمأَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِّن قَرن مَّكَّنَّـٰهُمفِی ٱلأَرضِ مَا لَم نُمَكِّن لَّكُم وَأَرسَلنَا ٱلسَّمَاۤءَ عَلَیهِم مِّدرَارا وَجَعَلنَا ٱلأَنهَـٰرَ تَجرِی مِن تَحتِهِمفَأَهلَكنَـٰهُم بِذُنُوبِهِموَأَنشَأنَا مِن بَعدِهِم قَرنًا ءَاخَرِینَ
[سورة الأنعام ٦ ] وبما أن المتعارف في عمر كل نسل هو الستون أو السبعون ، يكون المراد مجموع تلك السنين التي تتراوح بين ١٨٠ أو ٢١٠ وأين هو من تفسير الحديث بثلاثة مائة سنة ؟!
الثاني : إن شراح الحديث اختلفوا في تفسير الرواية ، وعلى كل تفسير لا يستفاد منها ما يتبيناه الكاتب . التفسير الأول : أن قوله«قرني» هو أصحابه ومن« الذين يلونهم» التابعون ومن الثالث تابعوهم والتفسير الثاني : أن الأول هو أصحابه والثاني أبناءهم والثالث أبناء أبناءهم . والتفسير الثالث : أن الأول قرن بقيت فيه عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم والثاني قرن بقيت فيه عين رأت من رآه صلى الله عليه وسلم، ثم كذلك . ( أنظر شرح مسلم للنووي : ٨٥/١٦)
وعلى كل تقدير تكون المدة أقل من ثلاثة قرون ، فمثلا نأخذ بالقول الأول الذي هو أعم الأقوال وأوسعها . فإن آخر من مات من الصحابة هو أبو الطفيل وقد إختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال : أنه توفي سنة ١٢٠ ه أو دونها أو فوقها بقليل ، وأما قرن التابعين فآخر من توفي منهم كان عام ١٧٠ ه أو ١٨٠ ه وآخر من عاش من أتباع التابعين ممن يقبل قوله ، من توفي حدود ٢٢٠ ه فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة وهذا كثير جدا ، ولأجل عدم انطباقه على ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني: وفي هذا الوقت( ٢٢٠ ه) ظهرت البدع فاشيا ، و أطلقت المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن ، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن . ( فتح الباري :٤/٧)
ولو افترضنا أن القرن يستعمل في مائة سنة فلا يصح تفسير الحديث به لأن المحور في الحديث في تمييز قرن عن قرن آخر هو الأشخاص حسب أعمارهم فعلى ذلك يجب أن يكون الملاك في تبادل القرون وتمايزها ملاحظة من كانوا يعيشون فيه حيث قال : «خير أمتي قرني» ولم يقل القرن الأول ثم قال « ثم الذين يلونهم » فلم يقل ثم القرن الثاني وقال : « ثم الذين يلونهم » ولم يقل القرن الثالث ، فلا محيص عند حساب السنين ملاحظة الأشخاص الذين كانوا يعيشون في قرنه والقرنين الذين يليانه .
القرآن يؤيد البدعة الحسنة
روى الطبراني في الأوسط عن أبي إمامة رضي الله عنه قال : إن الله فرض عليكم صوم رمضان ، ولم يفرض عليكم قيامه ، وانما قيامه شيئ أحدثتموه ، فدوموا عليه ، فإن ناسا من بني اسرائيل ابتدعوا بدع فعابهم الله بتركها فقال ” وَرَهبَانِیَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَـٰهَا عَلَیهِمإِلَّا ٱبتِغَاۤءَ رِضوَا نِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَایَتِهَاۖ” (الحديد ٢٧) قال الدارقطني : وما استنبطه أبو أمامة رضي الله عنه صحيح فإن الآية لم تعب أولئك الناس على ابتداع الرهبانية لأنهم قصدوا بها رضوان الله ، بل عابتهم على أنهم لم يرعوها حق رعايتها ، وهذا يفيد مشروعية البدعة الحسنة كما هو ظاهر .
أقسام البدعة
إذا كانت البدعة بمعنى التدخل في أمر الشرع بزيادة أو نقيصة في مجالي العقيدة والشريعة من غير فرق بين العبادات والمعاملات والإيقاعيات والسياسات فليس لها إلا قسم واحد لا يثنى ولا يتكثر وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون الا محرما ومذموما ولا يصح تقسيمه إلى حسنة وقبيحة ،
نعم ، البدعة بالمعنى اللغوي التي تعم الدين وغيره تنقسم إلى قسمين ، فكل شيء محدث مفيد في حياة المجتمعات من العادات والرسوم ، إن أدي به من دون الإسناد إلى الدين ، ولم يكن محرما بالذات شرعا ، كان بدعة حسنة ، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كل عام أو أقام الأفراح لمولد بطل من أبطاله ، وبالجملة ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتفق عليه الأمة وتتخذه عادة ومتبعا في المناسبات ويكون بدعة لغويا .
نعم ، ما كان محرما بالذات ، فلو اتخذ أمرا مرسوما ورائجا مثل دخول النساء سافرات متبرجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات ، فهذا أمر حرام بالذات أولا ، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية بمعنى التدخل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرعه الشارع ، وإنما هو عمل محرم اتخذ رائجا لا باسم الدين ولا باسم الشريعة وأقصى ما يعتذر بأنه مقتضى الحضارة العصرية مع الاعتراف بكونه مخالفا للشرع ، ولو قيل إنه بدعة قبيحة أو مذمومة ، فإنما هو بحسب معناها اللغوي.
وبذلك يظهر أن أكثر من أطنب الكلام في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، فقد خلط البدعة في مصطلح الشرع بالبدعة اللغوية فأسهبوا في الكلام وأتوا بأمثلة كثيرة زاعمين أنها من البدع الشرعية.
وهناك سؤال يطرح نفسه ، وهو أنه إذا كانت البدعة قسما واحدا وأمرا محرما مقابل السنة ، لا تقبل التقسيم إلى غيره ، فما معنى قوله عليه السلام :” من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم من شيء ، ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء رواه مسلم
وأجاب السبحاني عنه: أن الشق الأول راجع إلى المباحات العامة المفيدة للمجتمع كإنشاء المدارس والمكتبات وسائر الأعمال الخيرة ، فلو أن رجلا قام برفض الأمية بإنشاء مدرسة أو مكتبة وصار عمله أسوة للغير ، فقام الآخرون بإنشاء مدارس في سائر الأمكنة ، فهو سنة حسنة.
وأما الشق الثاني : فهو راجع إلى الأمور المحرمة بالذات فلو قام أحد بضيافة أشرك فيها النساء السافرات المتبجات ، ثم صار عمله قدوة للآخرين ، فعلى هذا المسنن وزر من عمل بسنته .
وعلى ضوء ذلك فالحديث لا يمت بالبدعة المصطلحة خصوصا ، ولم يكن ببال أحد من الشخصين التدخل في أمر الشارع بالزيادة والنقيصة بل كل قام بعمل خاص حسب دواعيه وحوافزه النفسية ، فالإنسان العاطفي يندفع إلى القسم الأول الذي ربما يكون مباحا أو مسنونا ، ومن حسن الحظ يكون عمله قدوة والإنسان الإجرامي يندفع إلى القسم الثاني، فيعصي الله سبحانه بارتكاب عمل محرم، بدعة كان أو غيرها ، ومن سوء الحظ يكون عمله قدوة . ومن المعلوم أنه ليس كل محرم بدعة وإن كانت كل بدعة محرمة.
لقد جاء التقسيم في كلمات الإمام الشافعي وابن حزم والغزالي وابن العربي وابن حجر العسقلاني وابن الأثير والدهلوي إلى غير ذلك ، والأصل في ذلك قول الخليفة عمر بن الخطاب وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشرة من الهجرة عندما جمع الناس للصلاة بإمامة أبي بن كعب في شهر رمضان ، ووصف الجماعة بقوله ” نعمت البدعة هذه ” ( الموطأ ح ٣٠١)
البدعة بدعتان : بدعة هدي وبدعة ضلال فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله صلي الله عليه وسلم فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود ،كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو في الأفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به للأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابا ، فقال : “ من سن سنة حسنة كان له أجرها واجر من عمل بها ” وقال في ضده : ” ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها .وذلك اذا كان في خلاف ما أمر الله به أو رسوله ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه . لما كان من أفعال الخير ، وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهم وانما صلاها ليالي ثم تركها ، ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس لها. ولا كانت في زمن ابي بكر وانما عمر جمع الناس وندبهم إليها فبهذا سماها بدعة ، وهي علي الحقيقة سنة( النهاية لإبن الأثير: ١٠٦/١) إعلم أن كل ما ظهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة وكل ما وافق أصول سنته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة { الشيخ عبد الحق الدهلوي :شرح المشكاة ، الكشاف لاصطلاحات الفنون ص ١٦٢}
البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابلة السنة فتكون مذمومة . والتحقيق أنها ان كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع ، فهي حسنة، وان كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبح ، والا فهي من قسم المباح وقد تنقسم الى الأحكام الخمسة (ابن حجر العسقلاني: فتح الباري :١٥٦/٥) واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة . فمن الواجب نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحظة والمبتدعين وأشباههم . ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك. ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك. وروي ابو نعيم عن إبراهيم بن جنيد ، قال : سمعت الشافعي يقول : البدعة بدعتان بدعة محمودة ، وبدعة مذمومة . فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم. وروي البيهقي في مناقب الشافعي عنه ، قال : المحدثات ضربان : ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة ضلال وما احدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، فهذه محدثة غير مذمومة {فتح الباري : ١٠/١٧} يدخل في المبتدعة كل من أحدث في الإسلام حدثا لم يشهد الشرع بحسنه ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإننا قسم البدعة اللغوية ومن قال كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية( إبن حجر الهيتمي: فتاوي الحديثية ص ٢٤٠) وعلى البدعة الشرعية يحمل قوله :”شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ( مرقاة :١٧٧/١).
اتفق العلماء علي انقسام البدعة إلي محمودة ومذمومة وأن عمر أقر به واتفقوا علي أن قول النبي صلى الله عليه وسلم عام مخصوص . ولم يشذ عن هذا الاتفاق الا الشاطبي صاحب الإعتصام فإنه أنكر هذا الإنقسام ، وزعم أن كل بدعة مذمومة ، لكنه اعترف بأن من البدع ما هو مطلوب وجوبا أو ندبا ، وجعله من قبيل المصلحة المرسلة، فخلافه لفظي يرجع إلي التسمية . أي أن البدعة المطلوبة لا تسمى بدعة حسنة ، بل تسمي مصلحة
البدعة نوعان بدعة تتعلق بأصول الدين فهي التي حدثت في العقائد وما يناسبها ومنها بدعة إنكار القدر وبدعة القاديانية وامامها غلام أحمد القادياني قد زعم أنه نبي وأن نبوته ليست ناسخة للإسلام بل متممة له ثم زعم أنه المسيح الموعود بنزوله في آخر الزمان وأنه أفضل من المسيح بن مريم عليهما السلام.والبدعة التي تتعلق بالفروع ، ويطلب حكمها من دلالة الشريعة وقواعد العامة المبنية على المصالح والمفاسد . وعدم وجودها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو عدم فعله لها ، لا يقتضي أن تكون محرمة فضلا عن أن تكون ضلالة وقد قدمنا آن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المباحات ولا جميع المندوبات . وهذا مقرر في علم الاصول علي أتم وجه .
حل الأحاديث المشكلة
روي مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته : ” إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ” .
قال النووي : قوله صلى الله عليه وسلم “وكل بدعة ضلالة. ” هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع. اه .قال الحافظ ابن رجب الحنبلي وابن حجر في شرحه : والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا ، وإن كان بدعة لغة (فتح الباري: ٩/١٧) {قوله : وشر الأمور محدثاتها} يكون المراد أي ما دخل في الشريعة من أمور ، ومن المعلوم أنه يتكلم عن دعوته وشريعته ، وتحويل كلامه إلى مطلق البدعة وإن لم يمس الكتاب والسنة ، تأويل للظاهر بلا دليل. ثم إنه صلى الله عليه وسلم يحكم على كل بدعة بالضلال ، ومن المعلوم أنه لا يصدق إلا على البدعة في الشريعة وأما غيرها فهي على أقسام كما قالوا . وصف صلى الله عليه وسلم البدعة بالضلال ثم قال كل ضلالة في النار ولا تصدق تلك القاعدة إلا على صاحب البدعة في الشريعة.
والدليل لما اتفق عليه العلماء من تخصيص حديث كل بدعة ضلالة عدة أحاديث .
الحديث الأول : ما روي عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ” رواه مسلم والنسائي وابن ماجة.
قال النووي : فيه الحث على الإبتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من الأباطيل والمستقبحات وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم ” كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وإن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة أه.
فهذا الحديث ونحوه يصرح بتقسيم البدعة إلي حسنة وسيئة فالحسنة هي التي توافق أصول الشرع ، وهي وإن كانت محدثة باعتبار شخصها ، فهي مشروعة باعتبار نوعها لدخولها في قاعدة شرعية ، أو عموم آية أو حديث ، ولهذا سميت حسنة ، وكان اجرها يجري علي سنها بعد وفاته .والسيئة هي التي تخالف قواعد الشرع وهي المذمومة والبدعة الضلالة .
الحديث الثاني : ما روي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” رواه الشيخان وفي رواية لمسلم ” من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ” وفي بعض ألفاظه ” من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد “
قال الحافظ في الفتح : هذا الحديث معدود من أصول الإسلام ، وقاعدة من قواعده فإن معناه : من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه اهقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِحِفْظِهِ وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ كَذَلِكَ .
وَقَالَ الطَّرْقِيّ : هَذَا الْحَدِيث يَصْلُح أَنْ يُسَمَّى نِصْف أَدِلَّة الشَّرْع (فتح الباري)
قلت : هذا الحديث مخصص لحديث كل بدعة ضلالة ، ومبين المراد منها كما هو واضح . إذ لو كانت البدعة ضلالة بدون استثناء ، لقال الحديث : من أحدث في أمرنا هنا شيئا فهو رد .لكن لما قال ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” أفاد أن المحدث نوعان ما ليس من الدين بأن كان مخالفا لقواعده ودلائله ، فهو مردود وهو البدعة الضلالة ، وما هو من الدين بأن شهد له أصل ، أو أيده دليل ، فهو صحيح مقبول ، وهو السنة الحسنة .
الحديث الثالث : ما روي عن معاذ بن جبل أنه قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، فذكر الحديث وفيه : وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبي صلى الله عليه وسلم فكان الرجل يشير إلي الرجل أن جاء : كم صلى فَيَقُولُ : وَاحِدَةً، أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَيُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلَاتِهِمْ، قَالَ : فَجَاءَ مُعَاذٌ، فَقَالَ : لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالٍ أَبَدًا إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَضَيْتُ مَا سَبَقَنِي. قَالَ : فَجَاءَ، وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِهَا. قَالَ : فَثَبَتَ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَامَ، فَقَضَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّهُ قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ، فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا “. رواه أحمد. وفي رواية الطبراني كنا نأتي الصلاة ، إذا جاء رجل وقد سبق بشيء من الصلاة أشار إليه الذي يليه : قد سبق بكذا وكذا فيقضي قال : فكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد فجئت وقد سبقت ببعض الصلاة ، وأشير إليّ بالذي سبقت به ، فكنت لا أجده على حال الا كنت عليها فكنت بحالهم التي وجدتهم عليها ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قمت فصليت واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال : من القائل كذا وكذا ؟ قالوا : معاذ بن جبل ، فقال قد سن لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء احدكم وقد سبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به إسناده صحيح . ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم معاذا ولم يبغض عليه ولا قال له : لم أقدمت على أمر في الصلاة قبل أن تسألني عنه بل أقره ومدحه . يؤيد هذا ويؤكده أن أبا بكرة لما ركع قبل الصف ومسى راكعا حتى دخل الصف ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم” زادك الله حرصا ولا تعد ” فنهاه عن العودة إلي ذلك ولم يقره عليه لأنه يخالف هيئة الصلاة وينافي السكون المطلوب فيها .
الحديث الثالث : ما روي عن رفاعة بن رافع الزرقي أنه قال : كنا نصلي يوما وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رأسه من الركعة قال ” سمع الله لمن حمده ” فقال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف قال : ” رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها ايهم يكتبها اول رواه البخاري ” قال الحافظ في الفتح : واستدل به على جواز احداث ذكر في الصلاة غير مأثور اذا كان لا يخالف المأثور أه .
الحديث الرابع : ما روي في البخاري من قصة قتل خيبر وصلاته ركعتين قبل قتله ، قال : وهو أول من سن صلاة ركعتين عند القتل.
لا بدعة في ما فيه الدليل نصا أو إطلاقا
قد تعرّفت على أنّ حقيقة البدعة هي الافتراء على الله والفرية عليه بإدخال شيء في دينه أو نقصه منه وتنسيبه إلى الله ورسوله ، وإذا كان هذا هو الملاك فالمورد الذي يتمتع بالدليل يكون خارجاً عن البدعة موضوعاً . والدليل على قسمين :
الأول : أن يكون هناك نص في القرآن والسنة بشخص المورد وحدوده وتفاصيله وجزئياته ، كالاحتفال بعيدي الفطر والأضحي والاجتماع في عرفة ومنى ، فعندئد لا يكون هذا الاحتفال والاجتماع بدعة ، بل سنّة إذ قد أمر به الشارع بالخصوص فيكون امتثالاً ، لا ابتداعاً .
الثاني : أن يكون هناك دليل عام في المصدرين الرئيسين يشمل بعمومه المصداق الحادث وإن كان الحادث يتحد مع الموجود في عهد الرسالة حقيقة وماهية ، ويختلف معه شكلا ، ولكن الدليل العام يعم المصداقين ويشمل الموردين ويكون حجة فيهما . وإليك بعض الأمثلة:
· قال سبحانه : ( وإذا قُرِئ القُرآنَ فاسْتَمِعُوا له وأنصتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( الأعراف – ٢٠٤ ) والآية تبعث إلى استماع القرآن عند قراءته والإنصات له ، والمصداق الموجود لها في ظرف الرسالة هو استماع القرآن مباشرة من فم القارئ الذي يقرأ القرآن في المسجد ، أو في البيت ، ولكن الحضارة الصناعية أحدثت مصداقاً آخراً لم يكن به عهد في ظرف الرسالة كقراءة القرآن من خلال المذياع والإذاعة المرئية والمبايل ، فالآية حجة في كلا الموردين وليس لنا ترك الاستماع والإنصات في القسم الثاني بحجة أنه لم يكن في ظرف الرسالة ، وذلك لأنّ العربي الصميم عندما يتدبر في مفهوم الآية لا يرى فرقاً بين القراءتين ، فلو قلنا حينئذ بوجوب الاستماع أو ندبه فليس هذا قولاً بغير دليل أو بدعة في الدين .
· قال النبي الأكرم :« طلب العلم فريضة على كل مسلم » (مجمع الزوائد: ١٩/١)ومن الواضح أنّ العلوم حتى ما يمت إلى الشرع ، كانت في ظرف صدور الحديث محدودة، ولكن المحدودية لا تمنع عن شمول الحديث للعلوم التي ابتكرها المسلمون لفهم الكتاب والسنّة كعلم اللغة والصرف والنحو والبلاغة ، بل والفقه المدوّن عبر العصور وذلك لأن الحديث بصدد ضرب قاعدة كلية ، فليس لمسلم وصف هذه العلوم بالبدعة بحجة أنها لم تكن في عصر الرسالة . لأنّ شأن الشارع الصادع إلقاء الأصول وبيان القواعد والضوابط لا بيان المصاديق وبالأخص ما لم يكن في عصره .
· لا شك أن من واجب المسلمين حفظ القرآن والسنة النبوية من الضياع ، لأن الإسلام ليس ديناً إقليمياً بل ديناً عالمياً وليس ديناً مؤقتاً بل خاتماً ، فطبيعة ذلك الدين تقتضي لزوم حفظ نصوصه وسنته حتى ترجع إليها الأجيال اللاحقة . لحق النبي إلى الرفيق الأعلى ورأى المسلمون أن من واجبهم حفظ القرآن من الضياء خصوصاً بعد ما لحقت بالمسلمين في الحروب ، خسارة كبيرة باستشهاد مجموعة كبيرة من القراء فصار الحكم الكلى ( لزوم حفظ القرآن ) مبدأ لإجراء عمليات مختلفة عبر الزمان ، وكلها أمور دينية مستمدة من الحكم الكلي أي لزوم حفظ القرآن والسنة ، فعمدوا على كتابة القرآن وتنقطه و إعراب كلمه و جمله ، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمراء وأخيراً طباعته ونشره ، وتشجيع حفاظه وقرائه وتكريمهم في احتفالات خاصة إلى غير ذلك من الأمور التي تعتبر كلها داعية لحفظ القرآن وتثبيته و إن لم يفعل بعضها رسول الله ولا أصحابه ولا التابعون ، إذ يكفينا وجود اصل له في الأدلة.
· إن من واجب المسلمين الاستعداد الكامل أمام هجمات الكفار ، وأخذ الحيطة والحذر في كل ما يكون هناك احتمال للخطر عليهم ، يقول سبحانه :وأعدُوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَة ومن رباط الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُدُ اللهِ وَعَدُوّمه ( الأنفال – ٦٠ ) ففي الآية نوعان من الدليل : خاص في مورد رباط الخيل فلو جهزت الحكومة الإسلامية جندها بالخيل فقد امتثلت الأمر الإلهي ، كما أنه إذا قامت بالتسلح بالغواصات والأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من وسائل الدفاع فقد جسدت الآية وطبقتها على مصاديقها التي لم تكن موجودة في عصر النبي، وإنها حدثت بعده، فهذه الموارد كلها أمور شرعية غير عادية بشهادة أن الإنسان يقوم بها بنية امتثال ما ورد في الشرع ، وليس للمتزمت أن يرفضها بحجة أنه ليس هنا دليل خاص عليها ، وذلك لأنّ اللازم في نفي البدعة لزوم الدليل عاماً أو خاضاً لا وجود دليل خاص ، فالدليل العام بعمومه حجة في جميع الأجيال على جميع الناس في كل الموارد التي تجسّد الضابطة الكلية .
ترك الفعل لا يشعر بعدم جوازه
من المعلوم بالضرورة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المباحات لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها عدا فضلا عن يتناولها فمن زعم تحريم شيئ بدعوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله فقد ادعي ما ليس عليه دليل ، وكانت دعواه مردودة .
وفي الصحيحين عن خالد بن وليد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة رضي الله عنها فأتى بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقيل : هو ضب يا رسول الله ، فرفع يده ، فقلت : أحرام هي يا رسول الله ؟ فقال ” لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ” قال خالد : فأجررته فأكلته ، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر . وفي الحديث دليل القائدة الأصولية : أن ترك الشيئ ، لا يقتضي تحريمه قد يقال : سؤال خالد يدل علي خلاف القاعدة . وهو أن الترك يقتضي التحريم وقد استدل به بعضهم لذلك فيقال في جوابه : لما رأي خالد إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب بعد أهوى إليه ليأكل منه حصل عنده شبهة في تحريمه ، فلذلك سأل . وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم له ، مؤيدا للقاعدة ، ومؤكدا لعمومها في أن ترك الشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يفيد تحريمه . وإن قلت انه هنا إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الضب فلا يفيد القاعدة . قلنا : لا نسلمه فكيف لا يجوز هنا الإقرار مع إفادة هذه القاعدة.
من المعلوم أيضا بالضرورة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات لاشتغاله بمهام عظام ، استغرقت معظم وقته : تبليغ الدعوة ، ومجادلة المشركين والكتابيين , وجهاد الكفار ، لحماية بيضة الإسلام ، وعقد معاهدات الصلح والأمان والهدنة وإقامة الحدود ، وانقاذ السرايا للغزو، وبعث العمال بجباية الزكاة ، وتبليغ الأحكام ، وغير ذلك مما يلزم لتأسيس الدولة الإسلامية، وتحديد معالها . بل ترك صلي الله عليه وسلم بعض المندوبات عمدا ، مخافة أن يفرض علي أمته ، أو يشق عليهم إذا هو فعله . فمن زعم في فعل خير مستحدث ، أنه بدعة مذمومة ، فقد أخطأ وتجرأ علي الله ورسوله حيث ذم ما ندبا إليه ، في عموميات الكتاب والسنة.
ما أجمل منظومة أبي الفضل الغمارى حينما أنشد
الترك ليس بحجة في شرعنا ¥ لا يقتضي منعا ولا إيجابا
فمن ابتغى حظرا بترك نبينا ¥ ورآه حكما صادقا وصوابا
قد ضل عن نهج الأدلة كلها ¥ بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا
لا حظر يمكن إلا إن نهى أتى ¥ متوعدا لمخالفيه عذابا
أو ذم فعل مؤذن بعقوبة ¥ أو لفظ تحريم يواكب عابا
قال سعد الدين التفتازاني رحمه الله : ” ومن الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة ، وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكا لقوله عليه السلام :” إياكم ومحدثات الأمور ” ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه ، عصمنا الله من اتباع الهوى ، وثبتنا على اقتفاء الهدى بالنبي وآله ( شرح المقاصد : ٢٣٢/٥).
نبذة مما أحدثه الصحابة بعد العهد النبوي
أمير المؤمنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
١- إنه أول من اتخذ بيت المال . أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة او غيره أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد ، فقيل له : ألا تجعل عليه من يحرسه ، قال: عليه قفل ، فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ ، فلما انتقل إلى المدينة حوله فيجعله في داره ، فقدم عليه مال ، فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوي بين الناس في القسم ، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله ، واشترى قطائف أني بها من البادية ففرقها في أرامل المدينة ، فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت مال أبي بكر ، منهم عبدالرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ، فتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئاً ، لا ديناراً ولا درهماً .( تاريخ الخلفاء ص ٦٥)
٢- قال الحاكم : أول لقب في الإسلام لقب أبي بكر رضي الله عنه ( تاريخ الخلفاء ص ٦٥)
أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه :
٣ – عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحدث الإجتماع في التراويح ، فكانوا يصلونها جماعة في المسجد بإمامة ابي بن كعب رضي الله عنه، تنفيدا لأمره وقال — حين رآهم يصلون مجتمعين – نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل – يعني القيام من آخر الليل والقصة في صحيح البخاري
٤ – روي عن مالك : أنه بلغه : أن المؤذن جاء إلى عمر يؤذنه لصلاة الصبح ، فوجده نائما ، فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في أذان الصبح .
٥ – روى الديرعاقولي في الأول من فوائده قال : حدثنا ………. عن زيد بن ثابت رضي الله عنه ، قال : قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء . قلت : عمر رضي الله عنه هو الذي أشار على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن في صحف ، حين كثر القتل بين الصحابة في وقعة اليمامة ، فتوقف ابو بكر رضي الله عنه ، وقال كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر رضي الله عنه : هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدره له ، وبعث الى زيد بن ثابت فكلفه بتتبع القرآن وجمعه ، قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ، وما كان أثقل عليّ مما كلفني به من جمع القرآن قال زيد : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو والله خير فلم يزل ابو بكر رضي الله عنه يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ( للمزيد ينظر البخاري). وقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما : هو والله خير، يؤيد ما مر في المقدمة من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات او جميع ما هو خير ، وجمع القرآن كان واجبا على المسلمين مع أنه بدعة ، ليحفظ من الضياع ، فألهم الله عمر التفكير في عمل هذه البدعة الواجبة ، لما فيها من خير كبير للإسلام والمسلمين . وقد اعترف الشاطبي بهذا العمل ، وأنه واجب ، وسماه مصلحة وأبى أن يسميه بدعة لان البدعة عنده : ما قصد بها الزيادة على الشارع ، وهذا وهم منه .
فالشاطبي شذ عن العلماء بما ابتدعه ، ولم يأت فيما شذ به بشيء معقول ، واضطر آخر الأمر أن يعترف بأن الأمر المحدث ينقسم إلى الأحكام الخمسة وسماه مصلحة لا بدعة .
٦ – قال العسكري : هو أول من كتب التاريخ من الهجرة ، وأول من اتخذ بيت المال ، وأول من سن قيام شهر رمضان ، وأول من عس بالليل ، وأول من عاقب على الهجاء ، وأول من ضرب في الخمر ثمانين ، وأول من حرم المتعة ، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد ، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات ، وأول من اتخذ الديوان ، وأول من احتبس صدقة في الإسلام ، وأول من أعال الفرائض ، وأول من أخذ زكاة الخيل ، وأول من قال : أطال الله بقاءك ، قاله لعلي ؛ وأول من قال : أيدك الله ، قاله لعلي . وقال النووي في تهذيبه : هو أول من استفضي القضاة في الأمصار ، وأول من مصر الأمصار : الكوفة والبصرة والجزيرة – والشام ومصر والموصل وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال : مرّ علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال : نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا.( تاريخ الخلفاء ص ١١١)
أمير المؤمنين عثمان ذو النورين رضي الله عنه :
٧- زاد الأذان يوم الجمعة في السوق لما كثر الناس ففي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله اذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء ، وهي دار في سوق المدينة . وسمى هذا الأذان ثالثا باعتبار إضافته الى الأذان الأول والإقامة ، ويقال له أول بإعتبار سبقه في الزمان على أذان الجمعة ، ويقال له : ثان بإسقاط اعتبار الإقامة .
٨ – قال العسكري في الأوائل : هو أول من خفض صوته بالتكبير ، وأول من خلق المسجد ، وأول من أمر بالأذان الأول في الجمعة ، وأول من رزق المؤذنين ، وأول من ارتج عليه في الخطبة فقال : أيها الناس إن أول مركب صعب ، وإن بعد اليوم أياماً ، وإن أعش تاتكم الخطبة على وجهها ، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله ، أخرجه ابن سعد . وأول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة ، وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم ، وأول من اتخذ صاحب شرطة ، وأول من اتخذ المقصورة في المسجد خوفاً أن يصيبه ما أصاب عمر ( تاريخ الخلفاء ص ١٣٣)
ابن مسعود رضي الله عنه :
٩ – وروى الطبراني بإسناد صحيح عن الشعبي قال : كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول بعد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته: السلام علينا من ربنا ، فهذه الجملة زادها ابن مسعود في التشهد .
عبد الله بن عمر رضي اللّه عنهما :
١٠ – عبد الله بن عمر رضي اللّه عنهما ، زاد التسمية في أول التشهد ، ولم تصح زيادتها عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى الطحاوي عن ابن جريج قال : قلت لنافع : كيف كان ابن عمر يتشهد ؟ قال : كان يقول : بسم الله التحيات لله والصلوات لله والزاكيات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الخ .
نعم : لا خلاف أن الوقوف عند الوارد أفضل وأولى . لكن لا ضيق ولا حرج على أن من أنشأ ذكرا أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مما يليق ولا يجوز أن يسمى مبتدعا ، كما يزعم بعض المتنطعين المتزمتين .
ولتوضيح ذلك ، وتقريبه نذكر بعض الأمثلة :
١ – تعدد الجمعة ، لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين .
روى البيهقي في المعرفة عن طريق أبي داود في المراسيل عن بكير بن الأشج ، قال : كان في المدينة تسعة مساجد مع مسجده . يسمع اهلها أذان بلال فيصلون في مساجدهم . زاد يحيى : ولم يكونوا يصلون الجمعة في شيء من تلك المساجد الا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ: ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة كما في الصحيح . وصلاة أهل قباء معه كما رواه ابن ماجة وابن خزيمة .
وروي البيهقي : أن أهل ذي الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة .
قال البيهقي : ولم ينقل أنه اذن لأحد في إقامة الجمعة في شيء من مساجد المدينة ، ولا في القرى التي بقربها .
وقال الاثرم لاحمد : أجمع جمعتين في مصر ؟ قال : لا أعلم أحد فعله . وقال ابن المنذر : لم يختلف الناس أن الجمعة لم تكن تصلي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى التعدد استمر عمل المسلمين في البلاد الإسلامية ولم يقل أحد أنه بدعة ضلالة، وإن الذين أجازوه مبتدعة ضالون لأنه فرع فقهي اختلفت أنظار العلماء فيه بحسب ما ظهر لهم من الأدلة . ولا شك أن تعدد الجمعة بدعة دعت إليها الحاجة لاتساع العمران وكثرة السكان بحيث لا يجمعهم مسجد واحد.
٢- شاع في المغرب الأذان للظهر مرتين ، بينهما نحو ساعة . والأذان للعصر مرتين، بينهما عشر دقائق و في تطوان ( A city in Morocco) يؤذن للعشاء مرتين أيضا . وهذه بدعة سخيفة ، لا توجد إلا في المغرب. ولم يشرع الأذان الا عند دخول الوقت ، للاعلام بالصلاة . والأذان بعده لاغ ، غير مشروع .
٣ – الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة المكتوبة .زعم مبتدء متزمت أنها بدعة ، وبئس ما زعم . فإن قول الله تعالى إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَیهِ وَسَلِّمُوا تَسلِیمًا [سورة الأحزاب ٥٦] مطلق ، يصدق باي وقت تقع فيه الصلاة ، الا إن ورد النهي عنها في وقت معين ، وهو غير موجود وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرة ” فهذا عام يشمل جميع الأوقات. ومثله أحاديث كثيرة تفيد العموم، والمقرر في الأصول : أن العام يعمل به في جميع جزئياته ، فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة، مشروعة بهذا الحديث وأمثاله، ودعوى بدعيتها جهل بعلم الأصول .
نعم ورد الحض عليها في أوقات معينة ، منها عقب الأذان وعند الدعاء وعند دخول المسجد وعند الخروج منه ، وهذا لا يجعلها بدعة في غير هذه الأوقات، لأن تخصيص بعض أفراد العام بالذكر ، لا يخصص العام .
٤ – السيادة في الأذان والإقامة والتشهد في الصلاة ، يمنعها المبتدعة المتنطعون ، ويجهلون لا حرام ولا مكروه الا ما ورد النهي عنه وما قيس عليه لقول الله تعالى وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُم عَنهُ فَٱنتَهُوا وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلعِقَابِ [سورة الحشر ٧] ولم يقل : وما تركه فانتهوا عنه ، أو ما لم يفعله فانتهوا عنه. ( أنظر مسالك الحنفى للقسطلاني ص ٣٦٤). نقل جمال الدين الأسنوي في المهمات عن الإمام عز الدين بن عبد السلام أنه بنى مسألة السيادة على أن الأفضل سلوك الأدب أو امتثال الأمر وقال ابن ظهيرة : الأفضل الإتيان بلفظ السيادة ، كما صرح به جمع ، وأفتى الجلال المحلي جازما به ، قال : لأن فيه الإتيان بما أمرنا به ، وزيادة الأخبار بالواقع الذي هو أدب ، فهو أفضل من تركه . إن بلالا رضي الله عنه وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائما ،: فقال : الصلاة خير من النوم فقال له : ” اجعلها في أذان الفجر ” وذكر السيادة في الأذان وما معه ، زيادة في التعظيم ، لم تغير لفظا ولم تفسد معنى ، فهي مطلوبة جزما .
الإسلام بين التزمت والتحلل من القيود الشرعية
إن بين المسلمين من يريد حصر الأمور السائغة الموجودة في عصر الرسول الأكرم حتى يعد نخل الدقيق بدعة بحجة أنه لم يكن في عصره صلي الله عليه وسلم أي منخل.و من يريد التحلل من كل قيد ديني في مجال العمل ، فلا يلتزم في حياته بشيء مما جاء به الإسلام.
فالإسلام لا هذا ولا ذلك ، فهو يرفض التزمت إذا كان العمل غير خارج عن الأطر العامة الواردة في الكتاب والسنة ، كما يرفض التحلل من كل قيد ، فآفة الدين ليست منحصرة بالثاني بل آفة الأول ليست بأقل منه.
فإن حصر الجائز من الأمور العادية بما كان رائجا في عصر النبي أو عصر الصحابة كبت للأدمغة وتقييد للحركة الحضارية عن التقدم نحو الكمال.وإظهار للإسلام بأنه غير قابل للتطبيق في جميع الأعصار المتقدمة فضلا عن عصر الذرة.
من الأسباب التي أوجبت خلود الدين الإسلامي ، وأعطته الصلاحية للبقاء مع إختلاف الظروف وتعاقب الأجيال كونه دينا جامعا بين الدعوة إلى المادة والدعوة إلى الروح ، ودينا وسطا بين المادة البحتية والروحية المحضة ، فقد آلف بتعاليمه القيمة بينهما ، مؤالفة تفي بحق كل منهما ، بحيث يتيح للانسان أن يأخذ قسطه من كل منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة.
هذه هي حقيقة الإسلام ومرونته فلو حددنا الجائزة من العاديات بما في عصر النبي تكون النتيجة حياد الإسلام عن الساحة وبطلانه مع أنه خاتم الشرائع وكتابه خاتم الكتب ونبيه خاتم النبيين.
هلم معي ندرس آراء المتزمتين في الأمور العادية
١: يقول الشاطبي : إن من السلف من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعبادات ، فكما أننا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذالك العاديات ، وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم ، حيث كره في سنة العقيدة مخالفة من قبله في أمر العاديين وهو إستعمال المناخل
( الإعتصام: ٧٩/٢)
٢: يحكى عن الربيع بن أبي راشد ، أنه قال : لولا أني أخاف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت ( الإعتصام: ٧٩/٢).
٣: يقول ابن الحاج : المراوح في المساجد من البدع وقد منعها علماؤنا إذ أن اتخاذها في المساجد بدعة ( المدخل :٢١٢/٢) وإن فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة وينبغي لإمام المسجد أن ينهى الناس عما أحدثوه من إرسال البسط والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها ( المدخل :٢٢٤/٢) إلى أن جاء ابن الحاج يحدد ثمن اللباس الذي يجوز لبسه ويقول : أثمان أثوابهم القميص من الخمس الى العشر وما بينهما من الأثمان ، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين ،
إن الإسلام دين عالمي لا إقليمي ودين خاتم ليس بعده دين وقد إنتشر الدين في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وكانت لذلك أسبابا وعلال ، منها يسر التكاليف وسهولة الشريعة ، فلو كان الإسلام خاضعا لهذا النوع من التزمت لقرئ عليه السلام في أول يومه ، وهل هذا هو الإسلام الذي يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة السهلة ؟!
الأصل في العادات الإباحة :
كان على هؤلاء الذين يتحدثون باسم الإسلام أن يدرسوا الكتاب والسنة ويقفوا على أن الأصل في العادات الإباحة ما لم يدل دليل على خلافها ، فإن كل ما ذكره من الأمور عادية حتى سكب ماء الورد على قبر الميت احتراما له ، من هذه الأمور التي يتصورونها من البدعة والأصل فيها الإباحة لا الحظر فإن الحكم بالحظر بدعة ، صدر من القائل.
يقول سبحانه : ” وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ” ويقول :” وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا” ومعنى الآيتين أنه ليس من شأن الله أن يعذب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث رسولا وليست لبعث الرسول خصوصية وموضوعية ، ولو أنيط جواز العذاب ببعثهم فإنما هو لأجل كونهم وسائط للبيان والإبلاغ ، والملاك هو عدم التعذيب بلا بيان وإبلاغ، فتكون النتيجة أنه لا يحكم على حرمة شيء قبل بيان حكمه ووصوله إلى يد المكلف وهذه الأمور التي أضفى المتزمتون عليها إسم البدعة، كلها أمور عادية ما ورد النهي عنها.
وعلى أساس ذلك فإن جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج التقدم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلفزيون والسيارة والطائرة والقطار والمبايل وما شابهها وإستخداماتها المتعارفة ، محكوم بالحلية والإباحة لعدم وجود نص خاص على تحريمها في الكتاب والسنة وغيرهما ، ولعدم انطباق أحد العناوين العامة المحرمة عليها كالإسراف والإعانة على الإثم وتقوية شوكة الكفار والإضرار بالمسلمين والإضرار بالنفس والنفيس.
Please support our efforts: you can buy our books.
نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر مع التعليق والتحقيق
Nuzhathunnalar fi thoolihi nuqbathul fikr
Download book sample
Total Pages: 168
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹150 in India, ₹200 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الورقات في علم أصول الفقه مع التعليق والتحقيق
Sharahul waraqath
Download book sample
Total Pages: 120
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹130 in India, ₹180 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الميبذي على هداية الحكمة مع تعليقات
Sharahul maibadi ala hidayathul hikma
Download book sample
Total Pages: 200
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹230 in India, ₹280 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الورقات مع حاشية الدمياطي
Sharahul warakath with Hshiyathu thamyathi
Download book sample
Total Pages: 72
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹90 in India, ₹140 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الرشيدية على الرسالة الشريفة في آداب البحث والمناظرة مع التعليقين
Sharahu rasheediyya ala risalathishareefa
Download book sample
Total Pages: 96
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹90 in India, ₹140 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
تحرير القواعد المنطقية المعروف بالقطبي في شرح الرسالة الشمسية مع حاشية الجرجاني (القطبي ومير القطبي)
Thahrirul qavaidul mandiqiyya with hashiyathul jurjani (quthubi, meer)
Download book sample
Total Pages: 208
Page Thickness: 55 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹185 in India, ₹235 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
Leave a comment