التلخيص في أصول التفسير
اعداد : محمد لقمان بن علي الشامل العرفاني الكامل الثقافي
Read this book in pdf https://drive.google.com/file/d/1Cmrg5Lssw8k8aK7CkssTPtS-TUrdGwXz/view?usp=sharing
تقديم
بسم الله الذي نزل القرآن تذكرة للعالمين وبين فيه ما يحتاجون إليه وجعله هدى للمتقين والصلاة والسلام على نبيه المصطفى المؤيد بالفرقان والمفند به لنار الشياطين والمشركين هو الذي أرسله كافة للناس بشيرا ونذيرا وعلى أصحابه الذين عاهدوه جهادا ونصرا وعلى من أظهروا بيانه للقرآن وأحكموه تأويلا وتفسيرا.
فبعد
فإن الإشتغال بالقرآن أفضل الطاعات وأولي ما أنفقت فيه نفائس الأحيان.لأن خيار الناس هم من تعلم القرآن وعلمه وسيد الشهور هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن وهو رمضان و أعلى الليالي هو ليلة القدر وهي التي فيها أنزلت. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وقد بدا لي حاجة الطلاب الذين يقصدون علوم القرآن وأصوله إلي مختصر في أصول التفسير . وبين أيديهم كتب علوم القرآن وأصوله ولكن يطول فيها البحث والنقاش .وذلك يشق على المبتدأين. فإذن نريد أن نخدمهم بأن نألف كتابا مختصرا في أصول التفسير .فإذا ظهر لي كتاب مختصر ولكن وجدت فيه حشوا وتطويلا وإسمه” التيسير في أصول واتجاهات التفسير” للدكتور عماد علي عبد السميع حسين. ثم نقصد أن نختصره بلا طول وحشو ونضم إليه بعض المسائل التي لا بد منها. فقدر الله لنا هذا العمل فالحمد لله على كل حال.
فضل تفسير القرآن وأهله
قال مجاهد من مفسري التابعين : أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل .وقال الحسن: “والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت ، وما يعني بها” . رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية ، فقيل له : إن الذي يفسرها رحل إلى الشام ، فتجهز ، ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها. وقال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره ، كمثل جاءهم كتاب من ملكهم ليلا ، وليس عندهم مصباح ، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب ، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب .( تفسير القرطبي: ١/٤٦ بتصرف )
أصول التفسير
الأصول في اللغة : جمع أصل وهو أسفل كل شيئ( لسان العرب :١/١٥٥) واصطلاحا : هو ما يبنى عليه غيره ، أو يفتقر إليه ولا يفتقر إلى غيره ( التعريفات للجرجاني ص ٢٢). والتفسير في اللغة : الكشف والإظهار والإبانة (لسان العرب : ١/٢٦١) . واصطلاحا: هو الكشف عن معاني ألفاظ القرآن الكريم في سياقاتها حسب قواعد وأصول معروفة لفهم مراد الله تعالى من وحيه المنزل( أنظر كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ص ٣٣). وأصول التفسير هو أصول وقواعد تحكم خطة المفسر ، وتحول بينه وبين الخطأ في الفهم والإستنباط ، وتعينه على أداء مهمة التفسير على الوجه الأفضل.( التيسير في أصول واتجاهات التفسير ص ١٠)
أهمية ومكانة علم التفسير
لعلم التفسير أهمية بالغة ، ذلك لأن القرآن أنزله الله ليتدبره الناس ويفهمونه ، ولقد أشار الله تعالى إلى أهمية التفسير عند ما دعا إلى تدبر القرآن ، فمثلا : يقول سبحانه وتعالى : كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ (سورة ص ٢٩) وعلم التفسير هو الطريق إلى العمل بكتاب الله تعالى وتطبيقه كمنهج للحياة وهو أشرف العلوم لتعلقه بكتاب الله الذي هو أشرف الكتب على الإطلاق ، وتعلمه من فروض الكفاية .( التيسير في أصول واتجاهات التفسير ص١٣)
أهمية علم أصول التفسير
أهمية علم أصول التفسير من أهمية علم التفسير نفسه ، لأن أصول التفسير بالنسبة للتفسير بمثابة الوسائل للغايات ، فهو له كعلم النحو للغة العربية وكأصول الفقه للفقه ، وكأصول الحديث للحديث..( التيسير في أصول واتجاهات التفسير ص١٤).
فأصول التفسير تضبط فهمنا لكتاب الله عز وجل من الزلل والخطأ وهو واحد من أجل علوم القرآن فمن الأصول معرفة المطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وشروط المفسر وآدابه ، وطرق التفسير …إلى غير ذلك.( التيسير في أصول واتجاهات التفسير ص١٤).
نشأة علم التفسير وأصوله
لقد نشأ علم التفسير منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألونه عما يشكل عليهم فهمه من القرآن مثل :
* سؤالهم له عندما نزل قوله تعالى : (ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَـٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ(سورة الأنعام ٨٢) قالوا : وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله ؟ فقال لهم مفسرا معنى الظلم ، وهو الشرك ، أما قرأتم قول الله تعالى : إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِیمࣱ(سورة لقمان ١٣) ( تفسير الطبري: ٣/٤٥٥).
* فسر لهم معنى البياض والسواد في آية الصيام : وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّیَامَ إِلَى ٱلَّیۡلِۚ (سورة البقرة :١٨٧)
وكان الأمر قد التبس عليهم ، حتى إن أحدهم كان قد أخذ خيطين حقيقين فوضعهما تحت وسادته يريد أن يجعلهما علامة على الإمساك للصيام فلم ير سودا ولا بياضا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له : إنك لعريض الوساد ، البياض بياض الصبح والسواد سواد الليل ( أنظر تفسير القرطبي ٢/ ٣٢٠ وأصله في البخاري)
ورد عن الصحابة قالوا : ” كنا إذا نزلت عشر آيات من كتاب الله تعالى لم نبرحها حتى نحفظها ونفهم معانيها ونعمل بها حتى إذا اكتمل القرآن نزولا كان قد اجتمع لدينا ثلاث : الحفظ والفهم والعمل( تفسير ابن كثير : ١/٣)
وربما لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك تفسيرا كاملا للقرآن ، وذلك لأنه لم تكن هناك أسباب داعية إليه ، فأصحابه كانوا يتمتعون بذكاء وسلامة فطرة ، ومع ذلك وضح النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما أشكل عليهم ، ووضحوا أيضا من خلال مشاهداتهم لنزول الوحي والأحوال المقترنة به ما وسعهم توضيحه.( التيسير ص١٦)
ثم جاء عصر التابعين فدخل بعضهم في علم التفسير ، منهم الحسن البصري وعكرمة وسعيد بن المسيب ومجاهد وقتادة وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. وكانت مرويات التفسير تروى على أنها أبواب من الحديث ، ولم يظهر تفسير كامل استوعب القرآن من فاتحته إلى خاتمته إلا في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع الهجري على يد شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ه) ثم توالى التصنيف في التفسير. ولا زال إلى الآن يكتب في التفسير ويتوصل إلى جديد من معاني كلام الله تعالى ، وسيظل ما دامت السماوات والأرض زاخرا بالمعاني .( التيسير ص ١٦)
ويعتبر الإمام الشافعي رحمه الله أول واضع لأصول التفسير ثم توالت الكتابات في أصول التفسير لكنها كانت بمثابة مقدمات في كتب التفسير يبدء بها العلماء ومن أهم تلك المقدمات مقدمة تفسير الإمام الطبري رحمه الله وكذالك القرطبي ثم ظهرت مقدمة ابن التيمية في أصول التفسير، وكذلك كانت توجد أصول التفسير متناثرة في بطون كتب علوم القرآن مثل الإتقان للإمام السيوطي، أما في العصر الحاضر فقد كتب غير واحد من العلماء في أصول التفسير جمعا لهذا المتناثر في القرآن تقريبا وتسهيلا على الطلاب. وكتابنا هذا من ذلك.
أهم المصنفات في أصول التفسير
١- كتاب الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله
٢- مقدمة تفسير الطبري ( تعتبر من أهم وأجود ما كتب في أصول التفسير)
٣- مقدمة تفسير القرطبي
٤- مقدمة تفسير ابن كثير
٥- الفوز الكبير في أصول التفسير للشيخ ولي الله أحمد قطب الدين الدهلوي الهندي ( ت ١١٧٦ ه)
٦- مقدمة في أصول التفسير لأحمد بن تيميه
٧- الإكسير في أصول التفسير لسليمان بن عبد القوي الطوفي البغدادي ( ت ٧١٦ )
٨- بحوث في أصول التفسير للدكتور محمد لطفي الصباغ
٩- أصول التفسير وقواعده للشيخ خالد عبد الرحمان العك
١٠- القواعد الحسان في تفسير القرآن للشيخ عبد الرحمن السعدي
مصادر علم التفسير
ولما كان القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل الذي تنفد الأقلام ولو كانت كل ما في الأرض من شجر ، والمحابر ولو كانت بحارا يمد بعضها بعضا قال تعالى : وَلَوۡ أَنَّمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَـٰمࣱ وَٱلۡبَحۡرُ یَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرࣲ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ(سورة لقمان ٢٧) لهذا كان التفسير بحرا عظيما ولا بد له من مصادر يستمد منها مادته.هاك مصادره في الآتي:
١- اللغة والإشتقاق: وهو معرفة الألفاظ القرآنية واستعمالاتها في لغة العرب وهذا ما يسمى بعلم أصول اللغة فها هو ابن عباس رضي الله عنهما برغم فصاحته إلا أنه توقف في تفسير بعض الآيات حتى عرفها من كلام العرب يقول: ” ما كنت أعرف معنى فاطر حتى سمعت رجلين يتخاصمان في بئر وكل منهما يقول أنا فطرتها أي أنشأتها ( أنظر الإتقان في علوم القرآن ١/١١٣ وتأويل مختلف الحديث ص ٢٠)
٢- النحو والصرف : لأن فهم المعنى يتوقف على معرفة الإعراب والتصريف وإلا قد يوقع في الغلط كما حدث لبعضهم في تفسير قوله تعالى : “يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ” فقد فهم أن إمام جمع أم وأن الناس يدعون يو القيامة بأمهاتهم دون آبائهم فإن أما لا تجمع على إمام( أنظر الكشاف ٢/٤٥٩)
٣- الأدب وعلوم البلاغة : وهذه العلوم تعين المفسر وتغذي التفسير بأوجه الإعجاز البيانية ، والجمال الفني في التغييرات القرآنية ، وذوق هذه الأشياء لا يتأتى إلا من الإشتغال بالأدب وعلوم البلاغة ( أنظر الكشاف :١/١٥)
٤- علم الآثار: من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومن كلام الصحابة والتابعين وأئمة التفسير في القرآن وهذا أحق ما يستمد منه بعد تفسير القرآن بالقرآن.
٥- علم القراءات : هو يفيد معان متجددة في الغالب
٦- علم أصول الفقه : المفسر لا يخلوا من التعرض لتفسير الآيات القرآنية التي ذكر فيها بعض الأحكام الشرعية فكان لا بد من رجوعه إلى أصول الفقه لإتقان عملية الاستنباط للأحكام الشرعية من الآيات.
٧- علم العقيدة: فالقرآن الكريم قد أصّل بناء العقيدة السليمة ونقاها من الشرك فالمفسر أحيانا يتعرض لشرح الأمور العقيدة التي تضمنتها الآيات من إثبات التوحيد والألوهية والرسالات والبعث والجزاء والجنة والنار ، ومناقشة عقائد المشركين الفاسدة .
٨- علم التاريخ :قد تعرض القرآن لقصص الأمم السابقة . والمفسر يحتاج حينئذ إلي بيان القصص واضحا ويرد ما ورد فيها من الأكاذيب والإسرئيليات فإذن يحتاج الي القصص المستحق والتاريخ الواقع.
٩- العلوم الكونية من علم طب وعلم الطبيعية كالسحاب والرعد والبرق والمطر والأرض والجبال ومكوناتها ، يستعين بها المفسر في شرح الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر شيء من تلك الوقائع الكونية .
وبالجملة فكل علم محترم شرعا يعتبر من مصادر علم التفسير التي يستمد منها مادته ، ولكن يراعي أنه يجب علي المفسر أن لا يكثر من تفريع هذه العلوم داخل التفسير ، ففهي موجودة في مظانها ومصنفاتها ، ويحسن به أن يأخذ منها فقط ما يعينه على توضيح المعنى المراد.
أنواع التفسير
روى ابن جرير الطبري رحمه الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال :
التفسير أربعة أنواع :
الأول : تفسير يعرف من كلام العرب.
الثاني : تفسير لا يعذر أحد بجهالته.
الثالث : تفسير لا يعلمه إلا العلماء.
الرابع : تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.
فأما الذي يعرف من كلام العرب فهو الذي يحتاج إلى رجوع إلى لغة العرب والنظر إلى مدلول الألفاظ التي يراد تفسيرها في إستعمال العرب مثل قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فلفظ القرء هنا من الألفاظ المشتركة بين الحيض والطهر ، ولا يصلح الأمر فيه إلا الرجوع إلى الإستعمال الأكثر ولا يعرف هذا إلا من لغة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم.
وأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فمثاله معظم آيات الأمر والنهي والحلال والحرام وآيات العقيدة …مثل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة ، ولا تقربوا الزنا ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تأكلوا الربا فهذه الآيات لا يعذر أحد بجهالتها إذ واضح أن الأمر فيها يوجب القيام بمقتضاه ، والنهي يوجب الإنتهاء .وكذالك قوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله واضح في الدلالة على وحدانية الله عز وجل والأمر باعتقادها.
وأما الذي لا يعلمه إلا العلماء: فهو المتشابه أي يحتمل فيه أكثر من معنى مثل قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، والذاريات ذروا فالحاملات وقرا ، والمرسلات عرفا
فلفظ (أنى) هنا معناه محتمل لكيف وحيث ومتى . والذاريات والحاملات ، والمرسلات ، والعاصفات ، أيضا معانيها متشابهة هل هي الرياح أم الملائكة ، ولا يستطيع ترجيح معنى هنا إلا العلماء العارفين بالقرائن ، وبالسياق وغير ذلك من أصول الترجيح.
وأما الذي لا يعلمه إلا الله فهو المتشابه من الآيات التي اشتملت على غيبيات استأثر الله بعلم تفاصيلها لنفسه كأوائل السور .
تنبيه: ينبغي أن يعلم المتعرض لتفسير القرآن أنه لا يستطيع تفسير جميع الألفاظ القرآنية .
أحسن طريقة للتفسير
إن أفضل طريقة للتفسير عند أهل العلم والتفسير هي تفسير القرآن بالقرآن ، فإن لم يوجد في القرآن ففي السنة ، وإلا ففي أقوال الصحابة ثم التابعين ثم بالإجتهاد بالضوابط والأصول
الشروط للمفسر
١- صحة الإعتقاد: لأنه لو تطرق إليه فساد في عقيدته لفسر القرآن حسب مذهبه وإعتقاده الفاسد .ولا يدرك معاني القرآن ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة ، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع أن ينال معانيه( التبيان في أقسام القرآن ص ١٤٣)
٢- صحة المقصد: يكون للمفسر الإخلاص فلا يطلب بتفسيره عرضا من أعراض الدنيا الزائلة، وإنما يبتغي وجه الله تعالى .لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن الصواب ، ويفسد عليه صحة عمله (؛أنظر الإتقان :٢/١٧٦).
٣- التقوى : يكون المفسر على أعلى مستوى من التقوى ، وليكن دليل تقواه التأثر بما في القرآن في كل شيء في حياته .
٤- العمل بما في القرآن : إذ لا يمكن أن يتصور أبدا أن يوفق الإنسان لفهم القرآن وهو لا يعمل بما فيه.
٥- البعد عن خوارم المروؤة : يبتعد طالب التفسير عن كل ما يعاب به إذ ينبغي أن يكون لحامل القرآن ومفسره فضل على غيره بمزيد أدب ورجاحة عقل وبعد عما يشين الإنسان.
٦- مداومة ذكر الله تعالى : يكون لله حامدا ولنعمه شاكرا ، وله ذاكرا ، وعليه متوكلا ، وبه مستعينا ، وإليه راغبا ، وبه معتصما ، وللموت ذاكرا وله مستعدا ، وخائفا من ذنبه ، راجيا عفو ربه ( تفسير القرطبي : ١/٢١)
٧- العلم بما يأتي
أ -الحديث : يحتاج المفسر إليه في بيان المجمل والمبهم من القرآن.
ب- اللغة : يتبحر المفسر فيها لأن بها يتمكن من شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها.
ث- الصرف : لأن به تعرف أبنية الكلمات ، ومن الألفاظ ما لا يعرف إلا بتصريفه ومعرفة أصله.
ج- النحو : لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب
ح- الإشتقاق : لأن الإسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفين اختلف باختلافها، كالمسيح مثلا : هل هو من السياحة أو من المسح.
خ- البلاغة بأقسامها الثلاثة المعاني والبيان والبديع حتى يعرف خواص تركيب الكلام من إفادة المعنى ووجوه تحسين الكلام .
د- القراءات : فهي جزء من الوحي لا بد من الوقوف على معانيها .
ذ- أصول الدين والعقيدة: لأن به يتمكن إيضاح آيات فيها أمور العقيدة .
ر- أصول الفقه : إذ به يعرف كيفية الدلالة على الأحكام الشرعية.
ز- أسباب النزول : يتضح مراد الآية بأسباب نزولها.
س- الناسخ والمنسوخ : وإن لم يعلم بهما قد يوقع في خلط الأحكام المتناقضة ويتحير عندها.
ش- العلوم الكونية: كالطب والهندسة وغيره ، لأن القرآن قد أشار إلى الأدوية والمقادير والعلم بها يعين على إيضاحها.
ص- التاريخ: يخبر القرآن القصص والوقائع السابقة. وبيانها يضطر الى معرفة التاريخ .
فالمفسر لكتاب الله تعالى ينبغي أن يكون موسوعة علمية حاضرة في كافة المجلات الثقافية والمعرفية . واعلم أن الشرط بعلم جميعها إنما يلزم لتفسير جميع آيات القرآن وإلا فيكفي العلوم المتعلقة بالآية التي يفسرها.مثلا إذا أخذ في تفسير آية تتعلق بالأحكام الفقهية لا يلزمه العلم بالعلوم الكونية والتاريخ ونحوهما.
التفسير والتأويل
التأويل هو صرف اللفظ عن الإحتمال الظاهر إلى إحتمال مرجوح لإعتضاده بدليل يصير به أغلب الظن من المعنى الظاهر ( أنظر روضة الناظر لإبن قدامة بشرح ابن بدران ٢/٣٠) والتفسير هو توضيح الآية بما يدل عليه الظاهر. وقد فرق بينهما بأن التفسير يتعلق ببيان موضوع اللفظ ، والتأويل ببيان المعنى المراد ( أنظر أصول التفسير وقواعده ص ٥٢) مثلا قوله تعالى يخرج الحي من الميت إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر او العالم من الجاهل كان تأويلا.( معجم التعريفات للجرجاني ص ٤٦). وكذلك أن ظاهر الأمر : أنه يدل على الوجوب فيجب العمل بهذا الظاهر ولا يحمل على الندب والإرشاد إلا بدليل ، وأن ظاهر النهي التحريم فيجب الكف والترك ، وأنا العدول إلى القول بالكراهة فلا يقبل إلا بدليل.
التفسير بغير علم
روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار رواه الترمذي ( ح ٢٩٥٠). وعن أبي معمر رضي الله عنه قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله : أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم ( تفسير الطبري ١/٥٢). وقال الليث : كان سعيد بن المسيب لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وعن الشعبي عن مسروق قال : اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله ( مقدمة في أصول التفسير ص ١٢٠,١٢١)
هذا كله محمول على ما لا علم للإنسان فيه من معاني القرآن فأما ما كان يعرفه لوضوح دلالته أو لأنه تعلمه وقرأه فيكون الكلام به من أفضل القرب لأنه تبيين وبلاغ.
ترجمة القرآن
الترجمة تطلق على معنيين :
الأول : نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى بدون بيان لمعنى الأصل المترجم ، وذلك كوضع لفظ مكان لفظ مفرد له من لغة واحدة
الثاني : تفسير الكلام وبيان معناه بلغة أخرى .
وعلى هذا فالترجمة تنقسم إلى قسمين : ترجمة حرفية وترجمة معنوية أو تفسيرية .أما الترجمة الحرفية فهي نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى ، مع مراعاة الموافقة في النظم والترتيب ، والمحافظة على جميع معاني الأصل المترجم . وأما الترجمة التفسيرية فهي شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه ، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه.
الترجمة الحرفية للقرآن غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز . وذلك لأن القرآن نزل لغرضين أساسين :
أولهما : كونه آية دالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وذلك بكونه معجزا للبشر ، لا يقدرون على الإتيان بمثله ولو اجتمع الإنس والجن على ذلك .
وثانيهما : هداية الناس لما فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم .
أما الغرض الأول ، وهو كونه أية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وهي إعجاز القرآن فلا يمكن تأديته بالترجمة إتفاقا لأن الإعجاز الساري في كل آية منه إنما يدور على ما فيه من خواص بلاغية تشتمل على نفس تراكيبه ويستحيل تأديتها بغيرها فلا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى بل يمكن نقلها إلى نفس لغتها العربية بوضع مفرداته بمحله. وإذن فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية – وهذا محال – لضاعت خواص القرآن البلاغية ، ولنزل من مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر ، ولفات هذا المقصد العظيم الذي نزل القرآن من أجله على محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما الغرض الثاني ، وهو كونه هداية للناس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين وذلك بإعلانه أحكام الله وإرشاداته وهي تفهم إما من صريح كلامه وإما بإستنباطها منه إذا لم يكن صريحا . فهذا يرجع بعضه إلى المعاني الأصلية التي يشترك في تفاهمها وأدائها كل الناس وتقوي عليها جميع اللغات ، وهذا النوع من المعاني يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه . وبعض آخر يستفاد من المعاني الثانوية ونجد هذا كثيرا في إستنباطات الأئمة المجتهدين وهذه المعاني الثانوية لازمة للقرآن الكريم وبدونها لا يكون قرآنا . والترجمة الحرفية إن أمكن فيها المحافظة على المعاني الأولية ، فغير ممكن أن يحافظ فيها على المعاني الثانوية ضرورة أنها لازمة للقرآن .
ومما تقدم يعلم أن الترجمة الحرفية للقرآن لا يمكن أن تقوم مقام الأصل في تحصيل كل ما يقصد منه لما يترتب عليها من ضياع الغرض الأول برمته وفوات شطر من الغرض الثاني. وليست الترجمة الحرفية من قبيل تفسير القرآن بغير لغته ، لأنها عبارة عن هيكل القرآن بذاته إلا أن الصورة اختلفت بإختلاف اللغتين : المترجم منها والمترجم إليها ، ولأنه لا شرح فيها ولا بيان ، وإنما فيها إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه ، وليس في ذلك شيء من الكشف والبيان ، لا شرح مدلول ، ولا بيان مجمل ، ولا تقييد مطلق ، ولا استنباط أحكام ، ولا توجيه معان ، ولا غير ذلك من الأمور التي اشتمل عليها التفسير المتعارف .
وعلم مما تقدم مقدار الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة التفسيرية ولإيضاح هذا الفرق نقول :
لو أراد إنسان أن يترجم قوله تعالى : وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومࣰا مَّحۡسُورًا (سورة الإسراء ٢٩) ترجمة حرفية لأتى بكلام يدل على النهي عن ربط اليد في العنق ، وعن مدها غاية المد ، ومثل هذا التعبير في اللغة المترجم إليها ربما كان لا يؤدي المعنى الذي قصده القرآن ، بل قد يستنكر صاحب تلك اللغة هذا الوضع الذي ينهى عنه القرآن ، ويقول في نفسه : إنه لا يوجد عاقل يفعل بنفسه هذا الفعل الذي نهى عنه القرآن ، لأنه مثير للضحك على فاعله والسخرية منه ، ولا يدور في اللغة المترجم إليها المعنى الذي أراده القرآن وقصده من وراء هذا التشبيه البليغ ، أما إذا أراد أن يترجم هذه الجملة ترجمة تفسيرية ، فإنه يأتي بالنهي عن التبذير والتقتير ، مصورين بصورة شنيعة ، ينفر منها الإنسان ، حسبما يناسب أسلوب تلك اللغة المترجم إليها ويناسب إلف من يتكلم بها ، ومن هذا يتبين أن الغرض الذي أراده الله من هذه الآية ، يكون مفهوما بكل سهولة ووضوح في الترجمة التفسيرية ، دون الترجمة الحرفية.
شروط الترجمة التفسيرية
١: أن تكون الترجمة على شريطة التفسير ، لا يعول عليها إلا إذا كانت مستمدة من الأحاديث النبوية وعلوم اللغة العربية ، والأصول المقررة في الشريعة الإسلامية .ولا تكون برأيه.
٢: أن يكون المترجم عالما باللغتين المترجم منها والمترجم إليها ، خبيرا بأسرارهما ، يعلم جهة الوضع والأسلوب والدلالة لكل منهما .
المحكم والمتشابه
المحكم في اللغة هو الذي لا خلاف فيه ولا اضطراب(لسان العرب ١٢/١٤١) واصطلاحا هو : اللفظ الذي دل على معناه دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا ولا نسخا ( أصول التفسير وقواعده ص ٣٣٥) وقال الجرجاني: المحكم : ما أحكم المراد به عن التبديل والتغيير ( التعريفات ص ١٨٢) ويجب العمل بالمحكم من القرآن قطعا ، إذ هو ظاهر المعنى لا يحتمل النسخ ولا التأويل .
المتشابه في اللغة هو ما تشابه من الأمور بعضها ببعض ، بحيث تلتبس على الناظر فيها ( أنظر أساس البلاغة للزمخشري ص ٢٢٨-٢٢٩) واصطلاحا هو ما تشبهت ألفاظه الظاهرة مع إختلاف معانيه ، بحيث تخفى دلالة معناه لذاته ، ويتعذر معرفته إلا بالرجوع لصاحب الشرع ( أصول التفسير وقواعده ص ٢٩١) وللمتشابه نوعان : الأول متشابه في اللفظ كفواتح السور المقطعة ( الم – ص- ن كهيعص…) فهذه الحروف المقطعة لا يدري المراد منها تحقيقا. والثاني : متشابه في المفهوم وهو ما عرف معناه ظاهرا واستحال معرفة حقيقة المعنى المراد منه كآيات الصفات مثل : يد الله فوق أيديهم ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، وجاء ربك والملك صفا صفا وهذا النوع من المتشابه يفهم معناه ولكن يستحيل معرفة حقيقة المعنى المراد.
حكمة إنزال المتشابه
ربما تكون الحكمة في ذلك أن الله تعالى أراد أن يشتغل أهل العلم بردهم إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم ، ولو أنزله كله محكما لاستوى فيه العالم والجاهل ، كما أن لو كان كله محكما ما كان يحتاج إلى طول بحث ونظر وقد يترتب على هذا أن ينصرفوا عنه عندما ييئسوا من أن يكون فيه معان متجددة ، وقيل إن من حكمة إنزال المتشابه أن الله أراد أن يختبر الراسخين في العلم هل سيقفون عند حدود ما علمهم أم أنهم سيحاولون البحث فيما استأثر هو بعلمه فإن وقفوا وسلموا كان هو المطلوب وهو النجاح ، فأمنية العلماء البحث ومعرفة الأسرار فابتلاهم الله بما هو خلاف هواهم وعكس متمناهم .
الناسخ والمنسوخ
النسخ في اللغة الإزالة والنقل ( لسان العرب ١٤/١٢١) والإصطلاح هو: عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم شرعي سابق ، ويطلق الناسخ على الله سبحانه ويطلق على الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان النسخ بحديثه ويطلق على الآية والحديث فيقال هذه الآية ناسخة وهذا الحديث ناسخ. ( الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٥٥ بتصرف).
طريق معرفة النسخ
النسخ من الأمور التي لا تعرف بالإجتهاد العقلي ، وإنما طريقه النقل الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أن زمان النسخ هو عهد النبوة ونزول الوحي ، وبعد انقضاء هذا العهد لا مجال لادعاء النسخ وفي الغالب يذكر الراوي لخبر النسخ تاريخ سماعه فيقول : سمعت هذا عام الفتح ويكون المنسوخ معلومات بقدمه أي على هذا التاريخ ، أو أن ينقل الراوى الناسخ والمنسوخ معا فيقول رخص لنا في كذا فمكثنا كذا ثم نهينا عنه وذلك لأن الأحكام الشرعية إذا ثبتت فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق لأن ثبوتها محقق أولا ورفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق ( أنظر الموفقات في أصول الشريعة ٣/٦٤)
حكم النسخ
١- التيسير ورفع الحرج والمشقة عن العباد إذا كان الناسخ أيسر من المنسوخ ، فمثلا كان المسلمون في أول فرض الصيام إذا أفطروا بعد المغرب ونام أحدهم لا يجوز له أن يأكل حتى غروب اليوم التالى فنسخ ذلك بقوله تعالى : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .ولما نزل وإن تبدوا ما في أنفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله” شق أيضا عليهم ذلك لأنه نص في أن الإنسان محاسب حتى على حديث نفسه فأنزل الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ”
٢- إن شريعة الإسلام جاءت إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم متلطفة في دعوتهم متدرجة بهم إلى المآل لتيسير بهم من الأسهل إلى السهل ومن السهل إلى الصعب ومن الصعب إلى الأصعب حتى تم الأمر نجح الإسلام نجاحاً لا مثيل له وهذا في الناسخ الأصعب ( تيسير الجلالين ٣/٥٧٤)
٣: إظهار عظمة الرب سبحانه ببيان أنه المتصرف في كل الأمور سابقا ولاحقا ، وأنه يفعل ما يشاء وهذا واضح من تذييل آية النسخ بقوله تعالى : ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير . ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض .
٤-إظهار كمال عبودية المؤمنين فالمؤمن الذي يقبل النسخ كأنه منتظر لإشارة ربه سبحانه كيفما وردت وبأي وجه صدرت فتظهر طاعة العبد بكمال الخضوع والإنقياد.
أنواع النسخ
الأول : ما نسخت تلاوته وبقي حكمه. مثل” الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ” فقد ثبت أن هذا كان قرآنا ثم نسخ رسمه أي تلاوته وبقي حكمه .
الثاني : ما نسخ حكمه مع بقاء تلاوته.فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة إلا أن المنسوخة لا يعمل بها. مثل قوله تعالى في مصابرة الواحد لعشرة في القتال : یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن یَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَـٰبِرُونَ یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةࣱ یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفࣰا مِّنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ (سورة الأنفال ٦٥). ثم قال : (ٱلۡـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِیكُمۡ ضَعۡفࣰاۚ فَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةࣱ صَابِرَةࣱ یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفࣱ یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفَیۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ(سورة الأنفال ٦٦)
الثالث: ما نسخ حكمه وتلاوته معا : مثل ما ورد عن عائشة أنها قالت : كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات فنسخت بخمس وليس في المصحف عشر رضعات محرمات ولا حكمها فتلاوته وحكمه منسوخان ( أنظر الناسخ والمنسوخ لهبة الله بن سلامة ص ١٨، تيسير الجلالين لعبد الرحمن المليباري ٣/٥٧٢، الإحكام للآمدي : ٣/٢٠٢)
النسخ ليس ببداء
ليس النسخ ببداء ، وهو الظهور بعد إخفاء أو نشأة رأي جديد في أمر من الأمور ، والبداء بكلا معنييه محال على الله تعالى ، لما يلزمهما من سبق الجهل وحدوث العلم ، ولكنّ قوما زعموا أن النسخ ضرب من البداء أو مستلزم للبداء وقالوا : لولا ظهور مصلحة الله ، ونشوء رأي جديد له ما نسخ أحكامه ، وبدّل تعاليمه . ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض منها ما ظهر له أمر كان خافيا عليه ، وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل إنما كان سبحانه وتعالى يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا إلا أنه علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة ، تنتهي في وقت معلوم ، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة أخرى ، ولا ريب أنّ الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس ، وتتجدّد بتجدد ظروفهم وأحواهم .
وذلك لأن الأحكام شرعت ، والآيات نزلت لمصالح العباد ، وتكميل نفوسهم فضلا من الله ورحمة ، وذلك يختلف باختلاف الأعصار و الأشخاص كاسباب المعاش ، فإن النافع في عصر قد يضر في عصر غيره . فكما أن الطبيب المباشر لإصلاح الذي يعين الأغذية والأدوية بحسب اختلاف الأمزجة والأزمنة كذلك الأنبياء المباشرون لاصلاح النفوس يغيرون الأعمال الشرعيّة بإذن الشارع على حسب تغير مصالحها فكما أن الشيء يكون دواء للبدن في وقت ثم قد يكون داء في وقت آخر كذلك الأعمال قد تكون مصلحة ، ومفسدة في وقت ، والكفرة لا يعرفون الحكمة في تغير التكاليف ، ونسخ الأحكام فينكرونه ، ويقولون إنه بداء لا يليق بشأن من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة (تيسير الجلالين : ٣/٥٧٨)
الخفي والمشكل والمجمل
هذه الثلاثة بعض أنواع الدلالات في الألفاظ القرآنية وهي أنواع نسجت بالإبهام ، وهذا الإبهام قد يزول بالاجتهاد في معرفة المعنى المراد ، وقد لا يزول إلا ببيان من الشارع نفسه ،
أولا الخفي:
وهو في اللغة: مأخوذٌ من عدم الظهور، والسِّتر والكتمان، وفي الاصطلاح: هو ما اشتبه معناه، وخفِي مرادُه بعارضٍ في غيرِ الصيغة، لا ينال إلا بالطلب وهو دالٌّ على معناه اللغويِّ الظاهر بصيغته، لكن خفِي المرادُ منه، لا لنفس صيغتِه، بل لعارضٍ عرَض له في انطباقِه على بعض أفراد مدلوله، فجعل دلالته غير محددة، فيزول خفاؤُه بالنظرِ والتأمُّل. مثال ذلك قوله تعالى :” والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما” فلفظ السارق ظاهر فيمن أخذ مال الغير من الحرز على سبيل الإستتار خفية بالنسبة إلى من اختص باسم آخر يعرف به كالطراز والنباش ، وذلك لأن فعل كل منهما وان كان يشبه فعل السارق لكن إختلاف الإسم يدل علي إختلاف المسمى ظاهرا فاشتبه الأمر في أنهما داخلان تحت لفظ السارق حتى يقطعا كالسارق أم لا ( معجم التعريفات بتصرف ص ٨٨)
ثانيا : المشكل
وهو في اللغة الداخل أشكاله أي من أمثاله وأشباهه ( لسان العرب:٧/١٧٦) وفي الإصطلاح هو ما اشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله وأشباهه على وجه لا يعرف إلا بدليل يتميز به من سائر الأشكال ( أصول السرخسي : ١/١٦٨) وسبب الإشكال : أن تكون الكلمة في موضع دالة على معنى ولا تدل عليه في المواضع الأخرى التي وردت فيها أو قد تتعدد المعاني في لفظ واحد ويشكل على السامع المعنى المراد بها في هذا الموضع. هذا أشد إبهاما من الخفي.
إن معرفة المشكل للمفسر أمر مهم جدا ، ذلك لأن بعض الجهلة وأعداء القرآن ، بمجرد ما يعرض لهم شيء من المشكل يظنون في القرآن تعارضا . وقد تنبه لخطورة هذا الأمر العلماء قديما وحديثا حتى أصبح تأويل المشكل علما كاملا ، كتب فيه ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن والسيوطي في الإتقان والشيخ محمد الشنقيطي في كتابه دفع الإيهام والإضطراب عن آيات الكتاب.
أمثلة إيضاح السلف للمشكل
* عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : رأيت أشياء تختلف عليّ من القرآن ، فقال ابن عباس : ما هو ؟ أشك ؟ قال : ليس بشك ، ولكنه اختلاف قال هات ما اختلف عليك من ذلك قال : أسمع الله يقول : ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [ الأنعام : ۲۳ ] ، وقال : ولا يكتمون الله حديثا [ النساء : ٤٢ ] ، وأسمعه يقول : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [ المؤمنون : ۱۰۱ ]ثم قال : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون [ الصافات : ۲۷ ] ، وقال : أنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت ٩-١١]. ، أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها [ النازعات :٢٨-٣٠]. وأسمعه يقول : وكان الله …. ما شأنه يقول وكان الله ….؟
فقال ابن عباس : أما قوله ” ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [ الأنعام : ۲۳ ] فإنهم لما رأو يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا : “والله ربنا ما كنا مشركين ” فختم على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعندئذ” يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا [ النساء : ٤٢ ] ، وأما قوله : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) فإنه إذا نفخ في الصور ” فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله [ الزمر : ۹۸ ] ، ( فلا أنساب بينهم يومئد ولا يتساءلون ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) [ الزمر : ٦٨ ] ، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) ) [ الطور : ٢٥]
وأما قوله: “خلق الأرض في يومين ” فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض وأما قوله “والأرض بعد ذلك دحاها ” يقول : جعل فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا .
وأما قوله : ” وكان الله ….” فإن الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك عزيز ، حكيم ، عليم ، قدير ، لم يزل كذلك ، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك ، وأن الله لم ينزل شيئا إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون رواه الحاكم في المستدرك وصححه. قال ابن حجر في شرحه : حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع :
الأول نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها ،
الثاني : كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه.
الثالث: خلق الأرض أو السماء أيهما تقدم .
الرابع : الإتيان بحرف ” كان ” الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة .
وحاصل جواب ابن عباس عن الأول : أن نفي المسألة فيما قبل النفخة الثانية ، وإثباتها فيما بعد ذلك. وعن الثاني : أنهم يكتمون بألسنتهم ، فتنطق أيديهم وجوارحهم . وعن الثالث : أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة ، ثم خلق السماوات فسواهن في يومين ، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين .فتلك أربعة أيام للأرض .وعن الرابع : بأن كان وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع ، بل المراد أنه لم يزل كذلك . ( للمزيد طالع الإتقان :٣/ ٨١-٨٤ ، البرهان في علوم القرآن : ٢/٥٤)
ثالثا : المجمل:
هو لغة المجموع واصطلاحا : هو ما له دلالة على أحد أمرين ، لا مزية لأحدهما على الآخر ( الإحكام :٣/١١) مثاله : قوله تعالى : ” فاقطعوا أيديهما ” فلفظ فاقطعوا ، وأيديهما فيهما إجمال ، فالقطع يصدق على قطع العضو وعلى شق الجلد من العضو بالجرح من غير بتر ، واليد يصدق على جملتها إلى المنكب وإلى المرفق وإلى الكوع وليس أحد هذه الإحتمالات أظهر من الآخر ، ووضح هذا الإجمال فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.
العام والخاص والمشترك
أولا : العام :
هو ما وضع وضعا واحدا لكثير غير محصور ( أنظر الإتقان : ٣/٤١) مثل قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، وأحل الله البيع وحرم الربا.
فلفظ والسارق والسارقة عام في كل من أنواع السارقين كسارق درهم أو دراهم و سارق مؤمن او كافر والبيع والربا عام في جميع البيوع من بيع الثمار وبيع اللحوم وغيرها والربويات من ربا القرض و ربا اليد وربا النساء
صيغ العموم
* كل ( كل امرئ بما كسب رهين )
* جميع (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه )
اسم الشرط
* من ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها )
إسم الموصولة
* الذين ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا )
* ما ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )
النكرة الواقعة بعد النفي
* ولا تصل على أحد منهم مات أبدا
النكرة الموصوفة بوصف عام
* ولعبد مؤمن خير من مشرك
الجمع المعرف باللام الاستغراقية
* والمطلقات يتربصن
الجمع المعرف بالإضافة
* خذ من أموالهم صدقة
المفرد المعرف بأل الاستغراقية
* الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة
إسم الإستفهم
* من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
هذه أهم صيغ الألفاظ التي تفيد العموم ، فإذا رأى المفسر شيئا منها في سياق حمله على مقتضى دلالة اللفظ أي العموم ما لا يرد مخصص له .
ثانيا : الخاص
وهو لغة التفرد والإنقطاع عن المشاركة واصطلاحا هو كل لفظ وضع لمعنى على الانفراد وقطع المشاركة ( أصول البزدوي :١/٣٠- معجم التعريفات ص ٨٤) مثاله : اركعوا واسجدوا ، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، فالركوع والسجود ليس فيهما أنواع بل نوع فقط والمائة والثمانين كذالك لا تحمل معنى آخر غير الذي وضعت له وهي خاصة به لا يشاركه فيه غيره من المعاني .
ثالثا : المشترك :
وهو لغة ما له أكثر من معنى واصطلاحا : هو كل لفظ يحتمل أكثر من معنى من المعاني المختلفة على وجه لا يثبت إلا واحدا من جملة تلك المعاني ( أصول التفسير وقواعده ص ٣٩٢) مثل القروء في قوله تعالى :”وَٱلۡمُطَلَّقَـٰتُ یَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءࣲۚ “[سورة البقرة ٢٢٨] فإن القروء جمع قرء وهو الطهر او الحيض ودلالة المشترك مبهمة وذلك لوجود كثير من معنى في اللفظ الواحد ، ومن أجل أن يرجح المفسر معنى على معنى من المعاني التى اشتركت في هذا اللفظ لا بد أن يتأمل :
هل اللفظ المشترك الوارد في النص مشترك بين معنى لغوي ومعني شرعي أم لا ؟ فإن كان اللفظ مشتركا بين معنى لغوي وآخر شرعي يتعين أن المراد بالمشترك المعنى الإصطلاحي الشرعي مثل الصلاة والصيام والطلاق . فالصلاة معناها اللغوي الدعاء والصيام الإمساك والطلاق الفراق ولكن الشرع أراد منها معان أخرى بهيئات مخصوصة معلومة إلا إذا وجدت قرينة تصرف اللفظ المشترك إلى معناه اللغوي فإنه يصرف مثل قوله تعالى” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ” فهنا القرينة موجودة تصرف اللفظ المشترك من المعنى الشرعي وهي الصلاة المعروفة إلى المعنى اللغوي وهو الدعاء .
وإن لم يكن في اللفظ المشترك الوارد في النص القرآني معنى خاص في الشرع ففي هذا مجال للإجتهاد في ترجيح معنى من المعاني
المطلق والمقيد
أما المطلق فهو ما دل على الماهية بلا قيد من حيث هي هي أما إذا اعتبر مع الماهية عارض من عوارضها وهي الكثرة فإن كانت محصورة فهي العدد وإلا فالعام وإن دل عليها مع وحدة معينة هو المعرفة وغير معينة هو النكرة ( راجع البحر المحيط:٣ /٤١٣) مثل حرمت عليكم الميتة والدم ( المائدة : ٣) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة( مجادلة:٣) فلفظ الدم ولفظ رقبة كل منهما مطلق دلا على ماهية بلا قيد فالدم يشمل المسفوح وغير المسفوح والرقبة تشمل المؤمن وغير المؤمن كما تشمل الذكر والأنثى .
المطلق يعمل به على إطلاقه إلا إذا وجد دليل التقييد . فليس للمفسر أن يقيد إلا إذا وجد ما يقيده ( راجع البرهان للزركشي : ٢/١٥)
المقيد : هو ما دل على الماهية بقيد من حيث هي هي وهو مقابل المطلق. مثل : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ( الأنعام : ١٤٥) ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ( النساء : ٩٢) فلفظ الدم ولفظ رقبة دلا على ماهية قيد الدم بالمسفوح والرقبة بالإيمان .
والمقيد يعمل به حسب القيد ولا يصح إطلاقه. وإذا جاء مطلق ومقيد فإن كانا لحكم واحد فإنه يحمل المطلق على المقيد دفعا للتعارض وإن كانا لحكمين مختلفين فإنهما لا يحمل أحدهما على الآخر .
الأمر والنهي
الأمر هو اللفظ الدال على طلب فعل وهو نوع من الخاص ( أصول التفسير ص ٤٠٧) مثاله : اتقوا الله حق تقاته / فأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله / واعف عنا واغفر لنا .
الأمر قد يكون للوجوب وقد يكون للإباحة وقد يكون للدعاء وقد يكون للإرشاد وغير ذلك . ولكن هو حقيقة للوجوب.
النهي هو اللفظ الدال على طلب الإمتناع عن الفعل وهو نوع من الخاص أيضا . مثاله : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تقربوا الزنا ، حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم .
والنهي يجيء للتحريم والكراهة والدعاء والإرشاد والتحقير وغير ذلك . ولكن هو حقيقة للتحريم.
الحقيقة والمجاز
الحقيقة إصطلاحا هو كل لفظ بقي على وضعه الذي وضع له سواء كان هذا الوضع لغويا او شرعيا او عرفيا مثاله : هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة .
والمجاز إصطلاحا هو كل لفظ أستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين مدلولي الحقيقة والمجاز. مثاله : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ، فنسبت الزيادة إلى الآيات مع أنها فعل الله سبحانه لكونها سببا لها على سبيل المجاز .
لا خلاف أن كتاب الله يشتمل على الحقائق . وهذا أكثر الكلام وأكثر ما يأتي من الآي. وأما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن والجمهور على الوقوع وأنكره جماعة . وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه وأن المتكلم لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وهو مستحيل على الله سبحانه.
وهذا باطل ، و لو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن . وليس المجاز ليس بكذب لأن القرينة شرط له. وهي تمنع عن كونه كذبا. فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ، ويجوز إستعمال المجاز من غير ضيق. وقد أفرده بالتصنيف الإمام عز الدين بن عبد السلام ولخصه الإمام السيوطي في كتاب سميته ” مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن ( راجع الإتقان :٣/١٠٩، البرهان ٢/٢٥٥) .تستوي دلالة الحقيقة والمجاز في إفادة الأحكام في القرآن الكريم ، فيثبت بالحقيقة المعنى الذي وضع له اللفظ ، ويثبت بالمجاز المعنى الذي أستعير له اللفظ ( أنظر أصول التفسير ص ٢٨٣)
إن المفسر لا بد أن يعرف السياقات القرآنية ، وما هو منها على سبيل الحقيقة ، وما هو على سبيل المجاز ، وإذا لم يعرف هذا ربما هو يفسر أيات من التي سيقت مجازا يحملها على الحقيقة فيختلف عليه الأمر . فمثلا قوله تعالى : ربنا وآتنا ما وعتنا على رسلك . كيف الدعاء لما وعد على الرسل فقط .فلزم أن يحمل على المجاز : أي ما وعدتنا على لسان رسلك كالجنة.
الغريب والمعرب في القرآن الكريم
الغريب هو : اللفظ الذي يخفى معناه على العامة دون الخاصة . مثلا قال ابن عباس رضي الله عنه : ما كنت أدري معنى فاطر حتى جاء أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها يعني ابتدأتها (البرهان ١/٢٩٣ بتص) والغريب المخل بالفصاحة هو الغريب القبيح ويسمى الوحشي الغليظ وهو أن يكون مع كونه غريب الإستعمال ثقيلا على السمع كريها على الذوق مثل جفخت وتكأكأ وأمثال ذلك وليس منه غريب القرآن والحديث بل هو من الغريب الحسن وهو لا يخل بالفصاحة . (أنظر المطول للتفتاذاني ص ١٤١،١٤٢)
هاك بعض الألفاظ الغريبة في القرآن :
جنفا : إثما
يؤوده : لا يثقله
حوبا : إثما
نحلة : مهرا
كلالة : من لم يترك والدا ولا ولدا
شغفها : غلبها
ينسلون : يقبلون
العرجون : الجذع القديم
( أنظر الإتقان ١ / باب في معرفة غريبه)
معرفة هذا الفن للمفسر ضرورية ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة : أسماء وأفعالا وحروفا فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها ، فيؤخذ ذلك من كتبهم ، وأما الأسماء والأفعال فتؤخذ من كتب علم اللغة ( الإتقان ١/٣٠٥). وقال الإمام الزركشي: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب ( البرهان ١/٢٩٢)
وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن ، وهؤلاء الصحابة – وهم العرب الغرباء وأصحاب اللغة الفصحى ونزل القرآن بلغتهم – توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها فلم يقولوا فيها شيئا. ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كل القرآن أعلمه إلا أربعا : غسلين ، وحنانا ، وأواه ، والرقيم ( الإتقان ١/٣٠٣) ولأهمية هذا العلم أي علم غرائب القرآن فقد صنف فيه كثير من العلماء وأفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون (أنظر الإتقان ١/٣٠٣)
المعرب نعني به الألفاظ التي وقعت في القرآن الكريم بغير لغة العرب وفي هذه المسألة إختلاف على تلاثة أقوال :
الأول : أنه ليس في القرآن ألفاظ بغير لغة العرب ، واستدلوا بقوله تعالى (إِنَّاۤ أَنزَلۡنَـٰهُ قُرۡءَ ٰ نًا عَرَبِیࣰّا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ [سورة يوسف ٢]. وممن قال بهذا القول الإمام الشافعي وابو عبيدة معمر بن المثنى وابن فارس وقال ابن فارس : لو كان فيه من غير لغة العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإنسان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها .
الثاني : ذهب آخرون إلى القول بوقوع ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم، وأجابوا عن قوله” قرآنا عربيا ” بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيا واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف إبراهيم للعلمية والعجمة .
الثالث : توسط فريق آخر فقال : إن الألفاظ التي من غير العربية في القرآن ليست أعجمية خالصة وإنما هي مما اتفق فيه توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة والروم وغيرهم بلغة واحد او أنها وإن كانت أعجمية الأصل لكنها لما وقعت في لغة العرب واستعملوها صارت عربية ثم نزل القرآن بها ، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فهو صادق ، وقد قال بهذا الرأي السيوطي ، وأبو عبيد القاسم ، والجواليقي ، و ابن الجوزي وغيرهم وهذا هو الراجح. والله أعلم.
مثال لبعض الألفاظ المعربة في القرآن
الرومية = طفق: قصد
العبرية = أخلد : ركن
الحبشية = الأرائق : السرر
السريانية = أسفار : الكتب
النبطية = إصري : عهدي
الزنجية = أليم : الموجع
البربرية = إناه : حار
الفارسية = سندس : رقيب الديباج
القبطية = مزجاة : قليلة كاسدة
وقد ألف الإمام السيوطي في قضية المعرب من الألفاظ في القرآن كتابا سماه المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب لخصه في الإتقان وذكر فيه نحوا من مائة وعشرين لفظا
أسباب النزول
سبب النزول : هو ما نزلت آية القرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال. ومثال ما كان سببه حادثة :
صعد صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فهتف : يا صباحاه . فقالوا : من هذا ؟ فاجتمعوا إليه ، فقال أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا. قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . قال أبو لهب : تبا لك ؛ ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله تعالى : تبت يدا أبي لهب ( سيد البشر ص ٦٧،راجع صحيح البخاري : ٦٥/١١١/٤٩٧١-٤٩٧٣)
ومثال ما كان سبب وقوعه سؤالا : ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم مر بنفر من يهود فقالوا : لو سألتموه ، فقالوا : حدثنا عن الروح ؟ فوقف ساعة ورفع رأسه ، فنزل عليه : (وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّی وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا (سورة الإسراء ٨٥).
ويحترز في أسباب النزول بأن تكون الأسباب وقت نزول القرآن لا قبله ولا بعده ، فالآيات التي جاءت مخبرة بأخبار ماضية كحادثة الفيل ، أو مستقبلة كغلبة الروم للفرس لا يصح أن يقال إن هذه الحوادث كانت سببا لنزول الآيات ، ( أنظر : الإتقان ١/٩٣)
طريق معرفة أسباب النزول:
اتفق العلماء على أن طريق معرفة أسباب النزول هي التوقيف أي النقل الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن الصحابة الكرام الذين عاصروا نزول الوحي ، فهم إذا أخبروا بشيء من هذا كان له حكم المرفوع ، وإذا ورد شيء منه عن التابعين فإنه لا يقبل إلا إذا اعتضد بحديث مرسل آخر وكان عن كبار التابعين كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ، وسعيد المسيب والحسن البصري وغيرهم ( راجع الإتقان : ١/٩٢)
أهمية معرفة أسباب النزول
معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب وقال ابن دقيق العيد : بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن ( الإتقان ١/٨٨) . حتى قال الواحدي : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها .( أسباب النزول ص ٢).
فمعرفة سبب النزول تفيد للمفسر فهم المراد الحقيق بلا خطأ و شبهة ، فمثلا إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَیۡرࣰا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِیمٌ (سورة البقرة ١٥٨). فقد يفهم منها أنها تسقط فرضية السعي بين الصفا والمروة ، كما فهم ذلك عروة بن الزبير ،فلما سأل خالته عائشة رضي الله عنها قالت له : لو كان الأمر كما فهمت لقيل : لا جناح عليه ألا يطوف بهما ، ثم بينت له سبب النزول ، وأنها نزلت في الأنصار ، حيث أنهم كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية ، فلما أسلموا تحرجوا من السعي خشية أن يكون مشابها لفعلهم في الجاهلية ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ( مناهل العرفان ١/٩٩ ، وأصله عند البخاري ومسلم ). فلو لم يعرف المفسر أسباب النزول سوف تختلط عليه مثل هذه الآيات ، فيلزم المفسر أن يعرف سبب نزول آية قصد تفسيرها قبل تفسيرها كما يلزمه أن يعتبر بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لاحتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت في أسباب خاصة وهذا هو المناسب لاستمرار أحكام القرآن .
فهذه أهم الأصول التي لا بد للمفسر أن يعتمد عليها في تفسير كتاب الله عز وجل حتى يأمن الخطأ والزلل . ومن مكملات أصول التفسير معرفة مناهج المفسرين .
أنواع التفسير
التفسير بالمأثور :
التفسير بالمأثور هو أول أنواع التفسير وجودا وأسلمها في التعامل مع كتاب الله تعالى . هو تفسير القرآن بالقرآن حيث ما أجمل منه في موضع قد يفسر في موضع آخر ، وكذلك الأقوال الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة الذين عاصروا نزول الوحي ، وشاهدوا أسباب النزول ، فكانوا أعلم المسلمين بتفسيره ، وأقوال التابعين باعتبارهم أنهم عايشوا أصحاب النبي صلى الله عليه واستقوا من علومهم .
مصادر التفسير بالمأثور
١: القرآن الكريم: وحيث ما أجملت أية في موضع قد تفصل في موضع آخر وحيث ما أطلقت في مكان قد تقيد من مكان آخر . ولهذا كان لا بد لمن يتعرض لتفسير القرآن أن ينظر في آيات القرآن فإنه أحسن طريقة للتفسير ، و هذا ما نجده في كتب التفسير بالمأثور كابن كثير ، يورد الآية ثم يقول ومن هذا المعنى قوله تعالى كذا وقد صنف الإمام الشنقيطي في هذا النوع كتابا مفردا يسمى تفسير القرآن بالقرآن من أضواء البيان وكذلك النظر في القراءات القرآنية فهي من القرآن ، فيجوز أن يفسر القرآن بها .
٢: السنة النبوية : حيث ما أجملت آية قد تفسر بحديث من السنة النبوية . فقد كان الصحابة يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في فهم القرآن و يفسره فإنه أمر بتبيينه بقوله تعالى وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ(سورة النحل ٤٤)
٣: تفسير الصحابة : قد فسر الصحابة آيات القرآن وهم شاهدوا نزولها وفهم معناها ممن أنزل اليه . وحيث ما لم يجدوا ما يفسرها من القرآن او السنة قد بذلوا جهدهم لفهمها . فيفسرونها .فهم الجيل الذي لم يشهد التاريخ له مثيلا في علمهم وإيمانهم وإدراكهم لأمور الحياة بنظرة واسعة ، مع ما كانوا يتمتعون به من الفصاحة والمعرفة بأساليب القرآن ويلحق بهذا المصدر تفسير التابعين فمن التابعين من تلقى التفسير كله عن الصحابة ، كما قال مجاهد : عرضت القرآن على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها ، ولهذا قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، ولهذا كان يعتمد على تفسيره كثير من أهل العلم كالشافعي والبخاري وغيرهم.
قال ابن كثير : إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده إختلافا فيحكيها أقوالا ، وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره ، ومنهم من ينص على الشيء بعينه ، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك ( تفسير بن كثير :١/١١)
حكاية الأقوال وترجيحها
أحسن ما يكون في حكاية الخلاف : أن تستوعب الأقوال وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته . فإنه من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا ، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب ، أو جاهلا فقد أخطأ ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان ( تفسير بن كثير ١/١١ بتصرف)
هل بين النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله.
واختلف العلماء فيه وقال فريق إنه بين القرآن كله وقال آخر إنه لم يبينه كله .والراجح هو أن نتوسط بين القولين فنقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين الكثير من معاني القرآن لأصحابه ولم يبين كل معاني القرآن لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه ، ومنه ما يعلمه العلماء ، ومنه ما لا يعلمه العلماء ، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها ، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته .
وإن مما يؤيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر كل معاني القرآن ، أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وقع بينهم الإختلاف في تأويل بعض الآيات ولو كان عندهم فيه نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع هذا الإختلاف في تأويل بعض الآيات . ( للمزيد ينظر التفسير والمفسرون )
قضية الإسرائيليات في التفسير بالمأثور
الإسرائيليات هي الأخبار التي تروى عن بني إسرائيل يهودا أو نصارى وقد دخلت الإسرائيليات في روايات التفسير المأثورة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وذلك نظرا لما بين القرآن من اتفاق مع التوراة والإنجيل في بعض المسائل ، فكان بعض الصحابة إذ مر بآية من قصص القرآن ربما وجد في نفسه ميلا إلى أن يسأل عن بعض ما طواه القرآن ولم يتعرض له من القصة ، فلا يجد من يجيبه على سؤاله سوى هؤلاء النفر الذين دخلوا في الإسلام من أهل الكتاب .
غير أن الصحابة لم يسألوا أهل الكتاب من كل شيء ، ولم يقبلوا منهم كل شيء بل كانوا يسألون من أشياء لا تعدوا أن تكون توضيحا لقصة أو بيانا لبعض ما أجمل في القرآن ، مع توقفهم فيما تلقى إليهم ، فلا يحكمون عليه بصدق أو بكذب مادام يحتمل كلا الأمرين ، امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم
: لاتصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا : أمنا بالله وما أنزل إلينا (بخاري ح٤٣٠٤) كما أنهم لم يسألوهم عن شيء مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام ، إلا أن يكون على جهة الاستشهاد والتقوية لما جاء به القرآن ، كما أنهم لم يكونوا يسألون عن الأشياء التي يشبه السؤال عنها أن يكون من اللهو والعبث ، کالسؤال عن لون کلب أهل الكهف ، أو مقدار سفينة نوح ، واسم الغلام الذي قتله الخضر ، ونحو ذلك ، بل كانوا يعدون ذلك قبيحا من قبيل تضييع الأوقات.
كذلك كان الصحابة لا يصدقون أهل الكتاب فيما يخالف الشريعة الإسلامية أو يتنافي مع العقيدة ، وإذا سألوا أهل الكتاب عن شي فاجابوا عنه خطأً ردوا عليهم خطأهم ، فقد ذكر القسطلاني عند تعليقه على حديث : ( إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالی شيئا إلا أعطاه إياه ) أن أبا هريرة سأل کعب الأحبار عن ذلك فقال كعب هي في جمعة واحدة من السنة فرد عليه أبو هريرة وبين له أنها في كل جمعة فرجع کعب إلى التوراة فوجد الصواب مع أبي هريرة ( إرشاد الساري٢/١٩٠ بتصرف وإيجاز ) . ومهما يكن من أمر فإن الصحابة لم يخرجوا عن حد الجواز الذي حده لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحديث عن بني إسرائيل لما قال : ( بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليٌ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( بخاري ح٣٤٦١ )
ومحال أن يجيز لهم النبي صلى الله عليه وسلم التحديث بالكذب ، فيكون المعنى حدثوا عن بني اسرائيل بما لا تعلمون كذبه. هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلى أهل الكتاب وأخذهم عنهم .
أما التابعون فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب ، فكثرت في عهدهم الروايات الإسرائيلية في التفسير ، ويرجع ذلك إلى كثرة من دخل في الإسلام من أهل الكتاب ووجد من مفسري ذلك العهد من أرادوا أن يشبعوا ميل النفوس إلى سماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن ، فأخذوا مرويات أحبار اليهود والنصارى وأدخلوها في تفاسيرهم ، ومن أشهر من فعل ذلك مقاتل بن سليمان المتوفى سنة مائة وخمسين للهجرة والذي قال عنه أبو حاتم ، إنه إستقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى ، ثم بعد عصر التابعين وجد من شغف بالإسرائيليات وأفرط في الأخذ منها ووصل إلى درجة جعلتهم لا يردون قولا ، واستمر هذا الشغف بالإسرائيليات إلى أن جاء دور التدوين للتفسير فوجدت مرويات ضخمة من الإسرائيليات قد شحنت بها كتب المفسرين.
خطورة الإسرائليات في تفسير القرآن
وقد كان لهذه الإسرائيليات أثر سيء في التفسير ، حيث يجد الناظر فيه القصص الخيالية والمبالغات العجيبة التي تنفر سليم الفكر من القرآن وعلومه كما ورد : أن عوج ابن أخت نوح عليه السلام كان مفرط الطول حتى إن مياه البحر تبلغه إلى ركبتيه وكان يصطاد الأسماك ويشويها على حر الشمس …وغير ذلك ورواية الإسرائليات المرفوعة بهذه الكثرة كانت على حساب الأخبار الصحيحة الواردة في التفسير . والناس بطبعهم عندهم نهم إلى المعرفة فإذا أشبع هذا النهم بالخرافات والمرويات الباطلة قلت درجة نهمهم إلى المرويات الصحيحة الثابتة وللأسف فإن الأخبار الإسرائيلية كثيرا ما تستهوي جهلة الوعاظ وتستريح إليها أنفس العوام ، وربما كان فيها ما يتعارض مع الدين ، فمثلا الأخبار الإسرائيلية الواردة في تفسير قصة مرض نبي الله أيوب عليه السلام من أن الدود ملأ جسده (الشريف ) فكان إذا تساقط عنه أخذه بيده وأعاده إلى جسده وهذا يتنافي مع ما هو مقرر من أن الأنبياء لا يجوز في حقهم الأمراض المنفرة .
موقف العلماء من الإسرائيليات
وقد تصدى جهابذة أهل العلم للإسرائيليات ، وكشفوا زيفها وقسموها إلى ثلاثة أنواع .
١ : إسرائيليات تعارض القرآن أو السنة وغيرهما من الأصول الإسلامية .
٢ : إسرائيليات توافقها وهذا النوع لا حاجة لنا به ، لأن عندنا ما يغنينا عنه ، وإن أخذ المفسر منها شيئا فينبغي ألا يتوسع ، وأن يكون على حذر وأن ينبه عليها .
٣ :إسرائيليات تخالف العقل ، ويحكم العقل ببطلانها ، مثل تفسير (ق) على أنها جبل محيط بجميع الأرض ، أورده ابن كثير ثم قال : وكأن هذا والله أعلم من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأو جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب ، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من إختلاف بعض زنادقتهم ، يلبسون به على الناس أمر دينهم ( تفسير ابن كثير ٧/٣٧٦).
والمتصفح في كتب التفسير بالمأثور يلاحظ أن أغلب ما يروى فيها من اسرائيليات مداره على أربعة أشخاص هم :
١-عبد الله بن سلام
٢- كعب الأحبار
٣-وهب بن منبه
٤- عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح .
وقد ذكرهم الشيخ الذهبي وأطال في تراجمهم ودافع ورد بعض الطاعون عنهم وبين أنه ليس كل ما ينسب إليهم صح عنهم ، بل منه ما افترى عليهم من قبل استغلال بعض الوضاعين لشخصياتهم وأسمائهم اللامعة وأيا كان الأمر فإن على المفسر الحذر كل الحذر من قضية الإسرائيليات وخطرها السيئ على التفسير والفكر الإسلامي عموما .
نماذج لأشهر كتب التفسير بالمأثور
* جامع البيان في تأويل القرآن ( تفسير الطبري) للإمام إبن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ ه من أهل طبرستان ، لقب بشيخ المفسرين ، ويعتبر تفسيره من أقوم التفاسير وأولها كما يعتبر المرجع الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي ، قال عنه الإمام النووي رحمه الله : أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري وقال ابن التيمية : وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبري ، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة ، وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي… ” .
وابن جرير لا يقتصد على مجرد الرواية ، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال ، ويرجح بعضها على بعض كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن ان تؤخذ من الآية مع توجيه الأدلة وذكر الراجح. ويكثر من رواية الإسرائيلية ، ولكن كثيرا ما يتعقب هذه الروايات بالنقد والتمحيص
ويظهر مما بأيدينا من المراجع ، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم ، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن ، كما أن كتابه في التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار ، فابن السبکي يذكر في طبقاته الكبرى : أن أبا جعفر قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ ، فقال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ثم قال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ ، قالوا : کم قدره ؟، فذكر نحوا مما ذكره في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك ، فقال : إنا لله ، ماتت الهمم .. فاختصره في نحو ما اختصر التفسير ( التفسير والمفسرون ١/١٣٩ بتصرف ونقص).
* بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي الفقيه الحنفي ، المتوفى سنة ٣٧٣ . وإذا ذكر الأقوال لا يرجح كما فعل ابن جرير الطبري ، وفيه كثير من الإسرائيليات التي تحتاج إلى نظر وتحقيق.( السابق ١/٢١٩,٢٢٠ )
* معالم التنزيل في التفسير ، للإمام محيي السنة ، أبی محمد حسین بن مسعود الفراء البغوي الشافعي المتوفي سنة ٥١٦ وهو كتاب متوسط ، نقل فيه عن مفسري الصحابة والتابعين ، و من بعدهم ، واخنصره الشيخ تاج الدين أبو نصري عبد الوهاب بن محمد الحسيني المتوفي سنة ٥٧٥ ه . ووصفه الخازن في مقدمة تفسيره بأنه من أجل المصنفات في علم التفسير وأعلاها ، وأنبلها وأسناها ، جامع للصحيح من الأقاويل ، عار عن الشبه والتصحيف والتبدیل ، محلي بالأحاديث النبوية ، مطرز بالأحكام الشرعية ، موشي بالقصص الغريبة ، وأخبار الماضيين العجيبة ، مرصع بأحسن الإشارات ، مخرج بأوضح العبارات ، مفرغ في قالب الجمال بأفصح مقال ). وقال ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي ، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة . وقال في فتاواه – وقد سئل عن أي التفاسير أقرب إلي الكتاب والسنة : الزمخشري . أم القرطبي ، أم البغوي أم غير هؤلاء ؟؟ – قال : وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها ، فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي ، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي ، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع التي فيه ، وحذف أشياء غير ذلك . وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة ( ص ٥٨ ) : وقد يوجد فيه – يعني معالم التنزيل – من المعاني والحكايات ما يحكم بضعفه أو وضعه ) .
* الكشف والبيان عن تفسير القرآن لأبي إسحاق أحمد بن ابراهيم الثعلبي النيسابوري ، كان رأسا في التفسير ، توفي في ٤٢٧ ه.. وذكر أسانيد من يروى عنهم في أول الكتاب ، ولهذا لا يذكر الأسانيد في داخل الكتاب إكتفاء بذكرها في أوله ، كما توسع في ذكر الإسرائيليات بدون تعقيب عليها أو تنبيه . ويبدوا أنه كان مولعا بالقصص حتى إنه يورد قصصا غاية في الغرابة وقال الكتاني عند الكلام عن الواحدي تلميذ الثعلبي ولم يكن له ولا لشيخه كبير بضاعة في الحديث بل في تفسيريهما أحاديث موضوعة وقصص باطلة .
* المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلس الغرناطي المتوفى سنة ٥٤٦ ه
ولقد أبدع ابن عطية وأحسن في هذا التفسير حتى طار صيته وصار أصدق شاهد له بإمامته في العربية. يذكر الآية ثم يفسرها بعبارة عذبة سهلة وينقل عن ابن جرير ، ويناقش المنقول عنه أحيانا ، كما يناقش المنقول عن غيره ويرد عليه ، وهو كثير الإستشهاد بالشعر العربي ، معني بالشواهد الأدبية ، قال ابن تيمية : وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثا وأبعد عن البدع ، وإن اشتمل عليه بعضها ، بل هو خير منه بكثير ، بل لعله أرجح هذه التفاسير ( التفسير والمفسرون ٢/٢٣٠-٢٣٤)
* تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي المتوفي سنة ٧٧٤ ه . ويعتبر تفسيره من أهم التفاسير بالمأثور. إعتنى فيه بكلام السلف.وطريقته فيه : أنه يورد الآية ثم يفسرها بآية إن كانت مفسرة لها ثم يتبع ذلك بإيراد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية ، ويبين ما يحتج به وما لا يحتج به منها ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف ، كما نجد ابن كثير يرجح بعض الأقوال على بعض ، ويضعف بعض الروايات ويصحح بعضها .
ومما يمتاز به ابن كثير أنه ينبه إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذر منها كما امتاز بدخوله في المناقشات الفقهية ويذكر أقوال العلماء فقد قال عنه السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ : إنه لم يؤلف على نمطه مثله ( المرجع السابق ١/ ٢٣٤,٢٣٥)
* الجواهر الحسان في تفسير القرآن لعبد الرحمن بن محمد الثعالبي المتوفي سنة ٨٧٦
وهو تلخيص المحرر الوجيز الذي ذكرنا لابن عطية – مع بعض الفوائد والزيادات .
والثعالبي يذكر الآثار والروايات بدون أن أن يذكر سنده إلى من يروي عنه ويعقب على المرويات الإسرائيلية بما يفيد عدم صحتها . وجملة القول : فإنه كتاب مفيد جامع لخلاصات كتب مفيدة وليس فيه ما في غيره من الحشو المخل والاستطراد الممل ( التفسير والمفسرون ١/٢٣٨،٢٥٢).
* الدرر المنثور في التفسير المأثور للإمام جلال الدين السيوطي المتوفي سنة ٩١١ ه .
كتاب الدر المنثور جامع لكثير من أقوال السلف في التفسير ، حتى قال السيوطي : “إن فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف ” ويلاحظ أن السيوطي لم يتعرض لأي شيء لا لأحكام فقهية ولا قضايا حديثية ولا لغوية ولا بيانية ،فقط هو يورد الآية ويسوق فيها الأحاديث التي تعلقت بها بدون أي تعليق أو تدخل ، ولا يضعف ولا يصحح . وأكثر من النقل عن البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد وأبي داود وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا .والدر المنثور هو الوحيد الذي إقتصر على التفسير بالمأثور فلم يخلط بالروايات شيئا من عمل الرأي كما فعل غيره ( التفسير والمفسرون ١/ ٢٤٢،٢٤٥ بتصرف)
التفسير العقلي ( بالرأي)
هو عبارة عن النتاج الفكري الذي ينتج عن الإجتهاد في تفسير كتاب الله عز وجل. فإن كان مضبوطا بأصول التفسير وقواعده فهو الرأي المحمود وإلا فهو المذموم .
موقف العلماء من التفسير بالرأي
لقد انقسم العلماء في موقفهم من التفسير بالرأي إلى فريقين ، فريق تشدد فمنع تماما تفسير القرآن بالرأي مطلقا ، وفريق على عكس ذلك ، يرون أن من كان ذا أدب و علم يجوز له أن يفسر کتاب تعالی برأيه واجتهاده ، ولكل فريق أدلة .
أدلة المانعين :
قالوا :
[ ۱ ] إن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم ، والقول على الله بغير علم منهي عنه فيكون التفسير بالرأي منهي عنه لقوله تعالی “وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون” وهو معطوف على محرمات قبله و قل إنما حرم ربي الفواحش [ الأعراف : ٣٣ ] .
[ ۲ ] كما استدل المانعون بقوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ النحل : ٤٤ ] فقد أضاف البيان إليه ؟ فعلم أنه له وليس لغيره بيان شيء من معاني القرآن .
[ ۳ ] واستدلوا أيضا بما ورد في السنة من تحريم القول في القرآن بالرأي مثل : ما رواه الترمذي عن ابن عباس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم ، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » ( ترمذي ح ٢٩٥١) وما رواه الترمذي . أيضا . وأبو داود عن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ( ترمذي ح ٢٩٥٢)
[ 4 ] كما استند المانعون إلى الآثار الواردة عن السلف من الصحابة والتابعين تفيد مدى تخرجهم من القول في القرآن بآرائهم .
أدلة القائلين بالجواز :
[ ۱ ] استدلوا بالآيات الكثيرة الداعية إلى التدبر والتفكر وإعمال العقل في فهم القرآن من ذلك قوله تعالی : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ( ص :٢٩) . أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » [ محمد ٢٤ ] ،(ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) [ النساء : ۸۳ ] ووجه الدلالة في الآيات أن الله تعالی حث على تدبر القرآن والاعتبار بآياته ، وبين أن في القرآن ما يستنبطه أولوا الألباب باجتهادهم ، ويصلون إليه بإعمال عقولهم ، فكيف يمنع ويحظر الطريق الموصل إلى شيء تعبدنا الله عز وجل به .
[ ۲ ] قالوا لو كان التفسير بالرأي غير جائز لما كان الاجتهاد جائزة ، ولتعطل كثير من الأحكام ، وهذا باطل واضح البطلان
[ ۳ ] استدلوا بما ثبت من أن الصحابة قرأوا القرآن ، واختلفوا في تفسيره على وجوه ، ولو كان التفسير بالرأي محظورة ، لكان هذا مخالفا من الصحابة و معاذ الله أن يكونوا قد خالفوا .
[ 4 ] قالوا – أيضا – إن النبي قد دعا لابن عباس قائلا : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) فلو كان التأويل مقصورة على السماع والنقل فقط لما كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء
ولم يكتف القائلون بالجواز بإيراد أدلتهم ، بل قاموا بتفنيد أدلة المانعين وأجابوا عنها ، وخلاصة جوابهم عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن أضيف إليه البيان في الآية إلا أنه لم يثبت عنه تفسیر القرآن لفظا لفظا اعتمادا على فهم الناس يومئذ وسلامة سليقتهم ، كما أن ما ورد من النهى محمول على من قال برأيه في المشكل من القرآن و نحوه مما لا يعلم إلا عن طريق النقل ، وهو محمول أيضا على الرأي الذي يغلب على صاحبه من غیر دليل يستند إليه ، أما الرأي الذي يشهد له الدليل و يشده البرهان فجائز ، وما ورد عن السلف من آثار تفيد تحرجهم فهي محمولة على ورع واحتياط منهم ، ويحمل إحجامهم على أنه كان مقيدا بمالم يعرفوا وجه الصواب فيه ، أما إذا عرفوا وجه الصواب فلم يكونوا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم ولو بطريقة الظن ، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول . وقد سئل عن الكلالة : ” أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان ” وهناك أجوبة أخرى عن أدلة المانعين تدل على أن من أحجم من التفسير بالرأي لم يكن عن اعتقاد منه بعدم الجواز . والراجح- والعلم عند الله-: هو القول بجواز التفسير بالرأي ولكن بشروط وضوابط .
ضوابط التفسير العقلي تتلخص فيما يلي :
[ ۱ ] الالتزام بمدلول الألفاظ واستعمالها في اللغة العربية في ظل السياق .
[ ۲ ] عدم التكلف أو الشطط في الفهم .
[ ۳ ] الحذر السير مع الهوى والاستحسان [ 4 ] الحذر من جعل المذهب الفاسد أصلا ، والتفسير تابع له ، فيحتال في التأويل لتأييد مذهبه وإن كان غاية في البعد والغرابة وما توفرت فيه تلك الضوابط فهو التفسير بالرأي الجائز ، وإلا فهو المذموم وسأسوق لك نماذج الأسماء ومناهج تفاسير في كلا النوعين من التفسير بالرأي
نماذج كتب التفسير بالرأي الجائز
* مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي المتوفي ٦٠٦ ه
وهو في تفسيره مولع بالإستنباط حتى إنه قال في مقدمته : إن سورة الفاتحة وحدها يمكن أن يستنبط منها عشرة آلاف مسألة وذهب فيه إلى العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفية ، وربما يَعرِض أقوال بعض الفلاسفة ويقوم بردها ، ويكثر من ايراد شبه المخالفين ، وربما يقصر في تفنيدها ، ثم إن الفخر الرازي لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترجيحه للمذهب الشافعي ، كذالك يبحث في المسائل الأصولية والكلامية والنحوية والبلاغية وإن كان لا يتوسع في هذا توسعه في علوم الكون كالفلك والنجوم وغيرها .
وبالجملة : فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة في علم الكلام ، وفي علوم الكون والطبيعة ، إذ أن هذه الناحية هي التي غلبت عليه حتى قال بعض أهل العلم عنه : فيه كل شيء إلا التفسير ( أنظر التفسير والمفسرون ٢٧٦-٢٨٢)
* أنوار التنزيل وأسرار التأويل للإمام البيضاوي المتوفي سنة ٦٨٥ه.
لقد اختصر البيضاوي تفسيره من تفسيري الزمخشري والرازي غير أنه ترك إعتزاليات الزمخشري . وكذلك عندما أخذ من الرازي لا يتابعه في الإستطراد في العلوم الكونية والكلامية ونحوها والبيضاوي أورد النقل من تفاسير السابقين وأعمل عقله فيها ، فضمن تفسيره نكتا بارعا ولطائف رائعة واستنباط دقيقة بأسلوب موجز وعبارة دقيقة ويتعرض للأحكام الفقهية بدون توسع . والبيضاوي مقلّ جدا من إيراد الإسرائيليات وإن أورد شيئا منها صدره بما يشير إلى ضعفها ووهنها . وقال في كشف الظنون عنه : تفسيره لخص فيه من الكشاف ما يتعلق بوجوه الإعراب والمعاني والبيان ، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام ، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالإشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات ، وضم إليه ما ورى زناد فكره فأظهر مهارته في العلوم حسب ما يليق بالمقام ( التفسير والمفسرون ٢٨٢- ٢٨٨، كشف الظنون ١/١٢٧)
* مدارك التنزيل وحقائق التأويل للإمام النسفي المتوفي سنة ٧٠١ ه
لخصه من تفسير البيضاوي ومن الكشاف بأسلوب سهل وعبارة موجزة ، يتعرض للمسائل النحوية والفقهية وينتصر لمذهبه الحنفي ويرد على من خالفه في كثير من الأحيان، وهو مقل جدا من إيراد الإسرائيليات ويراعي فيه ورعا شديدا. وقد اعتمد عليه للتدريس في بعض الأمصار . وفي الجملة الكتاب قيم سهل التناول .
* لباب التأويل في معاني التنزيل للإمام الخازن المتوفي سنة ٧٤١ ه
إشتهر في منهج الخازن أنه إعتمد كثيرا على كتاب معالم التنزيل للبغوي وحرص على إيراد كثير من روايات التفسير المأثور ، ولكن أكثرها في الإسرائيليات والقصص الغريبة والمواعظ الرقيقة ولكن بدون نقد ولا تمحيص مما قلل من قيمة الكتاب العلمية ( التفسير والمفسرون ١/٢٩٤-٣٠٠ بتصرف)
* البحر المحيط للإمام أبي حيان المتوفي ٧٤٥ ه
يعتبر البحر المحيط المرجع الأول والأهم لمن يريد أن يقف على وجوه الإعراب لألفاظ القرآن الكريم . فقد أكثر من مسائل النحو وتوسع في مسائل الخلاف بين النحويين حتى أصبح الكتاب أقرب إلى كتب النحو منه إلى كتب التفسير وهو مع ذلك لم يتعطل فيه البيان والبديع وغير ذلك . وقد استفاد أبو حيان كثيرا من تفسيري الزمخشري وابن عطية خصوصا في المسائل النحوية ، وإن كان يتعقبها كثيرا بالرد والتصويب وكثيرا ما ينقد الزمخشري من أجل آرائه الإعتزالية ومع ذلك يمدحه في مهارته في تجلية بلاغة القرآن كما استفاد أبو حيان وأكثر من النقل عن كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير لشيخه ابن النقيب .( التفسير والمفسرون ١/٣٠٠٠-٣٠٤ بتصرف)
* إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود المتوفي سنة ٩٨٢.
أهم ميزة في تفسير أبي السعود هي عنايته بالناحية البلاغية للقرآن ، فهو يهتم بأن يكشف عن نواحي القرآن البلاغية ، وسر إعجازه في نظمه وأسلوبه وبخاصة في باب الوصل والفصل ، والإعجاز والإطناب ، والتقديم والتأخير والإعتراض والتذييل كما يهتم بإبداء المعاني الدقيقة التي تحملها التراكيب القرآنية مما لا يكاد يظهر إلا لمن أوتي حظا وافرا من المعرفة بدقائق اللغة العربية.
واهتم أبو السعود أيضا بإبراز وجوه المناسبات بين الآيات ويلاحظ إقلاله من ذكر المسائل الفقهية وكذلك من الإسرائيليات والنواحي الكونية ، وربما يتعرض لذكر الوجوه النحوية أحيانا إذا كانت الآية تحتمل أوجها للإعراب ويرجح واحدا منها ويدلل على رجحانه. وبالجملة فالكتاب دقيق غاية الدقة ، بعيد عن خلط التفسير بما لا يتصل بالتفسير ( التفسير والمفسرون ١/٣٢٦-٣٣٢ بتصرف)
* غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين النيسابوري
لقد سلك النيسابوري في تفسيره مسلكا جعله فريدا بين المفسرين ، وذلك أنه يذكر الآية ثم يذكر القراءات الواردة فيها ، مع التزامه إضافة كل قراءة إلى صاحبها من العشرة ، ثم يذكر الوقوف مع التعليل لكل وقف منها ، ثم يشرع في التفسير مبتدءا بذكر المناسبة وربط اللاحق بالسابق .. ثم بعد ذلك يبين معاني الآيات بأسلوب بديع يشتمل على إبراز المقدرات وإظهار المضمرات ، وتأویل المتشابهات وتصريح الكنايات ، وتحقيق المجازات والاستعارات وتفصيل المذاهب الفقهية ، مع التوجيه .. كذلك لم يكن يغفل التعليق على الآيات الكونية ، ولا المسائل الكلامية والرد على المبتدئين ( التفسير والمفسرون ١/ ٣٠٤- ٣١٤)
* تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي المتوفي سنة ٨٦٤ ه وجلال الدين السيوطي المتوفي سنة ٩١١ ه
وكان قد بدأ المحلي التفسير من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس ثم بدأ تفسير سورة الفاتحة فأخذته المنية وتوفيت ، فجاء تلمبيذه السيوطي من بعده فأتم التفسير من البقرة إلى آخر الإسراء ولا يكاد الناظر يرى كبير فرق بين أسلوب المحلي والسيوطي ، فإن السيوطي قد تابع المحلي في إختصاره وعدم التوسع ، والبعد عن خلافات النحويين والفقهاء وأصحاب الكلام ، حتى قال بعض علماء اليمن : عددت حروف القرآن وتفسير الجلالين فوجتهما متساويين إلى سورة المزمل ومن سورة المدثر التفسير زائد على القرآن . ومع هذا فتفسير الجلالين من أكثر التفاسير تداولا وإنتشارا وأخصرها عبارة وألفاظا وقد يتدرس في المعاهد والكليات وللعلماء حواش عليه ومن أشهرها حاشية الصاوي وحاشية الجمل و بذل الجهد في تحشيته العلامة عبد الرحمن بن باو المليباري حيث جاوز كتابه يسمي بتيسير الجلالين خمسة عشرة مجلدا في خمسة عشرة جزء القرآن ولم يتمه الآن.وقد يتم إن شاء الله.
وبعد فهذه أهم كتب التفسير بالرأي الجائز وهناك سواها كثير يطول المقام بذكرها وفي الغالب مناهج التفسير متقاربة مع إختلاف يسير.
نماذج الكتب المعاصرة في التفسير بالرأي الجائز
* تفسير الشعراوي للشيخ محمد متولي الشعراوي من علماء الأزهر الشريف
وتفسيره هذا من عظيم فيضان الله تعالى على عباده، سماه الناس تفسيرا وسماه هو خواطر حول القرآن الكريم . ويشتاق إليه الناس ويقوي إيمانهم وتفكيرهم . يبدأ الشيخ بمعنى إجمالي للآية ، ثم يورد ما يفسرها من آيات القرآن والحديث والقصص والأخبار ، مع ضرب الأمثلة البسيطةالتي تقرب الفهم.
ثم هو قليل الإيراد جدا للخلافات الفقهية والنحوية والعقائدية لأنه قصد بالكتاب تحريك المشاعر .
* التفسير الوسيط للقرآن الكريم للدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف
وهو تفسير رائع ، سلك فيه الشيخ منهجا طيبا مع إستنباطات دقيقة وحكم خفية تناسب حاجة العصر ويمتاز هذا الكتاب بسهولة أسلوبه وبالتركيز على الحكم الدقيقة في الألفاظ القرآنية. كما يمتاز الكتاب بأسلوب المحاورة الذي يدفع الملل عن الفارئ وهو خال من الإسرائيليات . وعند تفسير آية فيه خلاف بين هذا النزاع بيسير ثم يخرج القارئ من حيرة الإختلاف إلي الترجيح
* التفسير المنير في العقيدة والشريعة
والمنهج .
* التفسير الوجیز
* التفسير الوسيط
ثلاثتهم – للعلامة الدكتور وهبة الزحيلي .
.تتفق التفاسير الثلاثة في بيان مدلول الآيات بدقة وشمول وأسلوب مبسط وميسر وفي معرفة أسباب النزول الصحيحة والاستشهاد ببعض الآيات والأحاديث في
موضوعها وفي البعد عن القصص والروايات الإسرائيلية التي لا يخلوا منها تفسير قديم وفي التزام أصول التفسير بالمأثور والمعقول معا وبالاعتماد على أمهات كتب التفسير بمختلف مناهجها
وینفرد التفسير المنير ببيان أوسع وأجلى للآيات يقدم فيه المؤلف تقدمة إجمالية لكل سورة يبين مضامينها وما صح من فضائل السور وعلى المناسبة بين السورة السابقة واللاحقة ، ثم نجد الشيخ يفصل القصص وأحداث السيرة النبوية ويستنبط الأحكام الشرعية بالمعنى الواسع للحكم بحيث يشتمل على العقيدة والعبادة والأخلاق والآداب والعبر والعظات ونظام الحياة والمعاملات وأصول الحياة الإسلامية مع بيان المفردات اللغوية بيانا شافيا .. كل ذلك مع تعقیب ومقارنة وتنويه بالمعجزات والإعجاز العلمي للقرآن الكريم بحسب تقدم العلوم العصرية .وقد ذكر الشيخ أنه توسع في هذا التفسير لأنه كتبه لأهل التخصص ، يصعب على المختص أن يأخذ منه .
ويقتصر التفسير الوجيز على بيان المقصود بكل آية ، بعبارة شاملة غیر مخلة ولا مملة مع بيان الكلمات الغامضة غموضا شديدا ، وبيان أسباب النزول مع كل آية أثناء الشرح . وهذا التفسير كان المؤلف قد قصد به العامة وأكثرية الناس .
وأما التفسير الوسيط فقد كتبه الشيخ لمتوسطي الثقافة ، وقد تتطابق عباراته في بعض المواضع من التفسيرين السابقين ، ويمتاز التفسير ببساطته وعمقه في آن واحد ، وفي الغالب حرص الشيخ فيه على وضع عناوين لكل مجموعه من الآيات وهي مهمة جدا وتسهل على القارئ معرفة المحور الرئيسي الذي تدور حوله الآيات.
* في رحاب التفسير للشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله . من علماء الأزهر الشريف وهو تفسير ممتاز وهو الوعظ المؤثر المدعم بالأبيات الشعرية الهادفة والقصص ، وفي الغالب يورد الآيات ثم يبين معاني المفردات ثم سبب النزول وهو مع تأثره بالوعظ لم يغفل الجوانب الأخرى فقد تعرض للنواحي الفقهية في آيات الأحكام حتى إنه عندما تعرض لآيات المواريث من سورة النساء وضح الآيات وساق مسائل حسابية لعمليات التوريث ، ويركز الشيخ على قصص القرآن وبيان من الله تعالى المضطردة في الخلق ويستطرد في بعض الأحيان في إيراد القصص المؤثر الهادف وبالجملة هو تفسير نافع محمود في بابه ، أنصح به الدعاة والوعاظ حيث تجد فيه مادة وعظية قيمة و وعلمية غزيرة .
هذا وهناك كتب أخرى كثيرة في التفسير بالرأي الجائز كتبت في العصر الحالي كلها تتجه نحو البساطة واليسر ، تسهيلا على أبناء هذا الجيل ، ليفهموا كتاب الله تعالى ، منها
* أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للشيخ أبي بكر جابر الجزائري .
* فتح الرحمن في تفسير القرآن للدكتور عبد المنعم أحمد تعيلب
* تفسير البشائر وتنوير البصائر للشيخ علي الشربجي
*تفسير الشامل للقرآن الكريم – للدكتور أمير عبد العزيز النابلسي.
نماذج لكتب التفسير بالرأي المذموم
لقد نتج عن الإختلاف والتفرق المذهبي في أمور العقيدة كم هائل من التفسيرات القرآنية ، لكنها على أصول إعتقاد كل فرقة من تلك الفرق .فكل فرقة تحاول تفسير القرآن بما يؤيد مذهبها وإعتقادها .
فالمعتزلة مثلا :
* ينكرون جواز تكليم الله لرسله تكليما مباشرا فإذا وجد في اللفظ القرآني ما يثبته تصرفوا فيه أو قرأوه بقراءة بعيدة من أجل تقرير عقيدتهم فعند تفسيرهم لقوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما ( النساء :١٦٤) يقرؤونها بنصب لفظ الجلالة على أنه مفعول ورفع موسى على أنه فاعل وحملها بعضهم على أنها من الكلم بمعنى الجرح فيكون المعنى وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن . كل هذا ليفر المعتزلي من ظاهر النص القرآني الذي يصادم عقيدته.
* وعندما يفسرون قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( القيامة : ٢٢-٢٣) يتأولونها فيقولون في الكلام محذوف تقديره إلى ثواب ربها ناظرة ، لأنهم يقولون لا يجوز ولا يصح النظر إلا إلى الأجسام فالقائل بجواز رؤية الله قائل بجسميته . يقولون هذا ولا يبالون بالأحاديث الصحيحة التي صرحت بجواز الرؤية في الآخرة.
* وعندما يفسرون قوله تعالى : والله خلقكم وما تعملون ( الصافات : ٩٦) ونحوها من الآيات التي تفيد أن الله هو الخالق لأفعال العباد يفسرون قوله تعالى” وما تعملون ” أي من الأصنام ، فالأصنام من خلق الله لأن المعتزلة يقولون بأن العبد يخلق أفعال نفسه.
ويمكن أن تراجع هذه الأقوال المنحرفة في تفاسير المعتزلة ومنها :
١- الكشاف عن حقائق التنزيل لمحمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي المعتزلي (٥٣٨ه).
٢- تنزيه القرآن عن المطاعن لعبد الجبار الهمداني شيخ المعتزلة ( ٤١٥ه).
٣- غرر الفوائد ودرر القلائد لأبي القاسم علي بن الطاهر ( ٤٣٦ه).
والشيعة أيضا يفسرون القرآن ويزعمون أن له ظاهرا وباطنا ويفسرون القرآن بوفق عقيدتهم ومذهبهم .
* فهم يرون أن الأئمة أركان الأرض وحجة الله على من فوق الأرض ومن تحت الثرى . وفي سبيل إثبات عقيدة الإمامة يفسرون كل الآيات الواردة في الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( الحشر : ٧). فيقولون : الله فوض دينه إلى نبيه والنبي فوض ذلك كله إلى علي وأولاده فسلمنا به وجحد الناس ، والأئمة بيننا وبين الله وما جعل الله لأحد خيرا في خلاف أمرهم .
* وعندما يفسرون قوله تعالى :
وَٱلۡمُحۡصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۖ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاۤءَ ذَ ٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِكُم مُّحۡصِنِینَ غَیۡرَ مُسَـٰفِحِینَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِیضَةࣰۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ فِیمَا تَرَ ٰضَیۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِیضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِیمًا حَكِیمࣰا
(سورة النساء: ٢٤) يقولون : المراد بالإستمتاع هنا نكاح المتعة وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم أي فمتى عقدتم عليهن ذلك العقد المسمى متعة فآتوهن أجورهن ويدل على ذلك أن الله علق وجوب إعطاء المهر على الإستمتاع وذلك يقتضي أن يكون ذلك العقد المخصوص .
* وقالوا في تفسير قوله تعالى : وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ( الليل ١٧،١٨) ومعلوم أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالوا : وإن كانت الأيات نزلت في رجل خاص فالمعنى عام والأصل فيمن أعطى واتقى هو عليّ ، وفيمن بخل واستغنى هو الثاني أي أبو بكر
ويمكن أن تراجع هذه الأقوال التي تفوح بروح التعصب المذهبي البغيض في تفاسيرالشيعة ومنها .
١- مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار – للمولى عبد اللطيف الكازراني الشيعي الحسن العسكري . ٢- مجمع البيان لعلوم القرآن – للفضل بن الحسن الطبرسي ( ت ۸۳۰ ه ) .
٣- الصافي في تفسير القرآن – للملا محسن الكاشي أحد الغلاة المتعصبين كما قال عنه الشيخ الذهبي
٤- بيان السعادة في مقامات العبادة للسلطان محمد الخراساني – أحد متطرفي الإمامية الإثني عشرية في القرن الرابع عشر الهجري – كما قال الشيخ الذهبي .
والخوارج أيضا عند تفسيرهم للقرآن يؤولونه بحسب ما يؤيد مذاهبهم وعقيدتهم ومن أهمها : القول بكفر مرتكب الكبيرة . ومن وراء قوله تعالى ” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ( آل عمران : ٩٧) قالوا : جعل تارك الحج كافرا .ومن الخوارج من لا يأخذ إلا بظاهر النصوص إلى أن قال : لو أن رجلا أكل من مال يتيم وجبت له النار لقوله تعالى : إِنَّ ٱلَّذِینَ یَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰلَ ٱلۡیَتَـٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا یَأۡكُلُونَ فِی بُطُونِهِمۡ نَارࣰاۖ وَسَیَصۡلَوۡنَ سَعِیرࣰا(سورة النساء :١٠) ولو قتل اليتيم لم تجب له النار لأن الله لم ينص على ذلك .
وها هو أحد مفسريهم يحل نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات ويستدل على ذلك بظاهر آية المحرمات من النساء . حُرِّمَتۡ عَلَیۡكُمۡ أُمَّهَـٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَ ٰتُكُمۡ وَعَمَّـٰتُكُمۡ وَخَـٰلَـٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِیۤ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَ ٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَاۤىِٕكُمۡ وَرَبَـٰۤىِٕبُكُمُ ٱلَّـٰتِی فِی حُجُورِكُم مِّن نِّسَاۤىِٕكُمُ ٱلَّـٰتِی دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُوا۟ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ وَحَلَـٰۤىِٕلُ أَبۡنَاۤىِٕكُمُ ٱلَّذِینَ مِنۡ أَصۡلَـٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُوا۟ بَیۡنَ ٱلۡأُخۡتَیۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا
(سورة النساء : ٢٣)
كما أنهم كانوا يرون جواز قتل مخالفيهم من المسلمين وإستحلال أموالهم ونسائهم في حين إستجارتهم ولكنهم لا يرون ذلك في المشركين أي الإجارة لأن الآية وَإِنۡ أَحَدࣱ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ یَسۡمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُ (سورة التوبة: ٦) يأمر إجارة المشركين دون المسلمين. وقصة واصل بن عطاء المعتزلي لما خرج مع نفر من أصحابه ووقعوا في يد الخوارج وتظاهروا لأنهم مشركين فأكرموهم وأحسنوا إليهم – مشهورة .
وكذالك تشبثوا بظاهر الآية إن الحكم إلا لله وزعموا أن لا حق لأحد من الناس أن يحكم على الناس وأنكروا على أمراء المسلمين ومنعوا عن طاعتهم . ويمكن أن تراجع أقوالهم هذه في تفاسيرهم وهي قليلة منها :
١- هيمان الزاد إلى دار المعاد لمحمد بن يوسف أطفيش ( ١٣٣٢ ه)
وقد بادت معظم تفاسير الخوارج ولم يبق منها إلا القليل كهذا التفسير لأن معظمهم باد ولم يبق لها أثر .
التفسير العلمي
التفسير العلمي : هو التفسير الذي يحكم الإصطلاحات العلمية في عبارات القرآن ، ويجتهد في إستخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها .وقد وقع هذا النوع من التفسير ، واتسع القول في إحتواء القرآن كل العلوم ما كان منها وما يكون ، فالقرآن يشمل جانب العلوم الدينية والدنيوية .ومما يؤيده قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء ( الأنعام ٣٨) وقوله : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( النحل ٨٩) وما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه قال : من أراد العلم فعليه بالقرآن ، فإن فيه خبر الأولين والآخرين ( الإتقان ٢/١٢٦) وما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : أنزل في القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ، لكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن ( الإكليل في استنباط التنزيل ص ٢) وقال أبو الفضل المرسي في تفسيره : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين ، بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه وتعالى ، ثم ورث عنه معظم سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وابن عباس حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ثم ورث عنهم التابعون بإحسان ، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا علومه ، وقامت كل طائفة بفن من فنونه فاعتنى قوم يضبط لغاته وتحرير كلماته ، ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وأياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة ، والآيات المتماثلة ، من غير تعرض لمعانيه ولا تدبر لما أودع فيه ، فسموا القراء
واعتني النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال ، والحروف العاملة ، وغيرها ، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها ، وضروب الأفعال . واللازم ، والمتعدي ، ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به ، حتي إن بعضهم أعرب مشکله ، وبعضهم أعربه كلمة كلمة .
واعتني المفسرون بألفاظه ، فوجدوا منه لفظا يدل علي معني واحد ، ولفظا يدل علي معنيين ، ولفظا يدل علي أكثر ، فأجروا الأول علي حكمه ، وأوضحوا معني الخفي منه ، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني ، وأعمل كل منهم فكره ، وقال بما اقتضاه نظره .
واعتني الأصوليون بما فيه من الأدلة القطعية .والشواهد الأصلية والنظرية ، مثل قوله تعالى : ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : ۲۲ ] … إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ، فاستنبطوا منها أدلة علي وحدانية الله ، ووجوده ، وبقائه ، وقدمه ، وقدرته ، وعلمه ، وتنزيهه عما لا يليق به ، وسموا هذا العلم بأصول الدين .
وتأملت طائفة منهم معاني خطابه ، فرأت منها ما يقتضي العموم ، ومنها ما يقتضي الخصوص ، إلى غير ذلك ، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز ، و تكلموا في التخصيص ، والإضمار ، والنص ، والظاهر ، والمجمل ، والمحكم ، والمتشابه ، والأمر ، والنهي ، والنسخ .. إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة ، واستصحاب الحال ، والاستقراء ، وسموا هذا الفن أصول الفقه .
وأحكمت طائفة صحيح النظر ، وصادق الفكر فيما فيه الحلال والحرام وسائر الأحكام ، فأسسوا أصوله ، وفرعوا فروعه ، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا ، بعلم الفروع ، وبالفقه أيضا . وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة ، والأمم الحالية ، ونقلوا أخبارهم ، و دونوا آثارهم ووقائعهم ، حتي ذكروا بدء الدنيا ، وأول الأشياء ، وسموا ذلك بالتاريخ . وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال ، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال ، وتكاد تدكدك الجبال ، فاستنبطوا مما فيه من الوعد ، والوعيد والتحذير ، والتبشير ، وذكر الموت ، والمعاد ، والنشر ، والحشر ، والحساب ، والعقاب ، والجنة ، والنار ، فصولا من المواعظ ، وأصولا من الزواجر فسموا بذلك الخطباء والوعاظ
واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان ، وفي منامي صاحبي السجن ، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة ، وسموه تعبير الرؤيا ، واستنبطوا تأويل كل رؤيا من الكتاب ، فإن عز عليهم إخراجها منه فمن السنة التي شارحة للكتاب ، فإن عز فمن الحكم والأمثال ، ثم نظروا إلي اصطلاح العوام في مخاطبتهم وعرف عاداتهم ، الذي أشار إليه القرآن بقوله : وأمر بالمعروف [ لقمان : ۱۷ ]
أخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام و أربابها وغير ذلك ، ، علم الفرائض واستنبطوا منها من ذكر النصف ، والثلث ، والربع ، والسدس ، والثمن ، حساب الفرائض ، ومسائل العدل ، واستخرجوا منه أحكام الوصايا .
ونظر قوم إلي ما فيه من الآيات الدالات علي الحكم الباهرة ، في الليل والنهار ، والشمس ، والقمر ، ومنازله ، والبروج ، وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت ، ونظر الكتاب والشعراء إلي ما فيه من جزالة اللفظ ، وبديع التعلم ، وحسن السياق ، والمبادئ ، والمقاطع ، والتلوين في الخطاب والإطناب ، والإيجاز ، و غير ذلك واستنبطوا منه المعاني ، والبيان ، والبديع ونظر فيه أرباب الإشارات ، و أصحاب الحقيقة ، فلاح لهم من الفاظه معان ودقائق جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها ، مثل : الفناء ، والبقاء ، والحضور . والخوف ، والهيبة والأنس ، و الوحشة ، والقبض ، والبسط ، وما أشبه ذلك .
هذه الفنون أخذتها الملة الإسلامية منه ، وقد احتوي على علوم أخر من علوم الأوائل مثل : الطب ، والجدل ، والهيئة ، والهندسة ، والجبر والمقابلة ، و النجامة ، وغير ذلك من العلوم .
أما الطب : فمداره على نظام الصحة و استحکام القوة ، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيات المتضادة ، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله تعالي : وكان بين ذلك قواما [ الفرقان : ٦٧ ) ، وعرفنا فيه ما يفيد نظام الصحة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد إعتلاله في قوله تعالي:” شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس” [ النحل : ٦٩ ) .. ثم زاد علي طب القلوب ، وشفاء الصدور .
وأما الهيئة : ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها ملكوت السموات والأرض ، وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات . وأما الهندسة ؛ ففي قوله تعالي : انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب بلا ظليل ولا يغني من اللهب [ المرسلات ۳۰ – ۳۱ ] ، فإن فيه قاعدة هندسية ، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له .
وأما الجدل : فقد حوت آیاته من البراهين ، والمقدمات ، والنتائج ، والقول بالموجب ، والمعارضة ، وغير ذلك شيئا كثيرا ، ومناظرة إبراهيم نمرود ومحاجته قومه أصل في ذلك عظيم .
وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها ذکر مدد وأعوام وأيام التواريخ الأمم سالفة . وإن فيها بقاء هذه الأمة ، وتاريخ مدة أيام الدنيا ، وما مضي وما بقي ، مضروب بعضها في بعض.
قال ابن العربي في كتابه قانون التأويل ونقل مثله الإمام الغزالي في الإحياء : علوم القرآن خمسون علما وأربعمائة علم ، وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة ، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع وهذا مطلق دون إعتبار التركيب وما بينهما من روابط وهذا ما لا يحصي وما لا يعلمه إلا الله. ( الإتقان ٢/١٣٨). وقال الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء : ويروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن ثم يقول الإمام الغزالي رحمه الله : وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله عز وجل وصفاته ، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته ، هذه العلوم لا نهاية لها ، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها بل كل ما أشكل فهمه على النظار ، واختلف فيه الخلائق في النظريات ، والمعقولات في القرآن إليه رمز ودلالات عليه ، يختص أهل الفهم بدركها ( إحياء علوم الدين ٣/١٣٥) وقد عقد في كتابه جواهر القرآن فصلا في إنشعاب سائر العلوم من القرآن ، وذكر فيه علم الطب والنجوم ، وهيئة العالم ، وهيئة بدن الحيوان ، وتشريح أعضائه ، وعلم السحر ، وعلم الطلسمات وغير ذلك ، ثم يقول : ووراء ما عددته علوم أخرى يعلم تراجمها ولا يخلوا العالم من يعرفها ولا حاجة إلى ذكرها بل أقول : ظهر لنا بالبصيرة الواضح التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود ، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها ، وعلوم كانت قد خرجت من الوجود واندرست الآن ، فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها ،وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها ، ويحظي بها بعض الملائكة المقربين ، فإن الإمكان في حق الآدمي محدود والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية من النقصان ، وإنما الله سبحانه هو الذي لا يتناهي العلم في حقه (جواهر القرآن ص ٣١،٣٢)
ثم يقول بعد ذلك : ثم هذه العلوم ما عددنا وما لم نعددها ، ليست أوائلها خارجة من القرآن ، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى ، وهو بحر الأفعال ، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له ، وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد ، فمن أفعال الله تعالي وهو بحر الأفعال – – مثلا – الشفاء والمرض كما قال الله تعالي حكاية عن إبراهيم : وإذا مرضت فهو يشفين [ الشعراء : ۸۰ ] وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله ، إذ لا معني للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته ، ومعرفة الشفاء وأسبابه ، ومن أفعاله تقدیر معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان ، وقد قال الله تعالي : في الشمس والقمر بحسبانه[ الرحمن :٥ ] وقال : وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب [ يونس :٥ ]وقال وخسف القمر وجمع الشمس والقمر » [ القيامة : ۸ – ٩ ] ، وقال : ويولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل [ الحج : ٦١، لقمان : ۲۹ ] وقال : والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم [ يس ٣٨ ] .. ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما ، وولوج الليل في النهار ، و كيفية تكور أحدهما علي الآخر إلا من عرف هیئات ترکیب السموات والأرض ، وهو علم برأسه ، ولا يعرف كمال معنى قوله : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ، [ الانفطار :٦ -۸ } إلا من عرف تشریح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا وعددها وأنواعها ، وحكمتها ومنافعها . وقد أشار في القرآن في مواضع إليها وهي من علوم الأولين والآخرين ، وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين . وكذلك لا يعرف معني قوله : سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدین به [ الحجر : ۲۹ ، ص : ۷۲ ] ما لم يعلم التسوية ، والنفخ ، والروح ، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق ، وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها ، ولو ذهبت أفصل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال ، ولا يمكن الإشارة إلا إلي مجامعها .. فتفكر في القرآن ، والتمس غرائبه لتصادف فيه مجامع علم الأولين والآخرين » (جواهر القرآن ص ٣٢-٣٤)
وقال الحافظ السيوطي في الإتقان : وأنا أقول : قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء ، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها ، وفيه عجائب المخلوقات وملكوت السموات والأرض ، وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى وإلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات ( الإتقان ٢/١٣٢)
نماذج الكتب التي ظهرت في التفسير العلمي
* كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية لمحمد بن أحمد الإسكندراني من علماء القرن الثالث عشر الهجري وكتابه في ثلاثة مجلدات .
* طبائع الإستبداد ومصارع الإيتبعاد للسيد عبد الرحمن الكواكبي .
يقرر فيه بأن السر في إحجام العلماء عن تفسير قسمي الآلاء والأخلاق من القرآن وبيان ما يشتمل عليه من العلوم المختلفة هو أنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض السلف القاصرين في العلم فيكفرون فيقتلون ثم يقول : وهذه مسألة إعجاز القرآن وهي أهم مسألة في الدين ، لم يقدروا أن يوفون حقها من البحث ، واقتصروا على ما قاله بعض السلف أنها هي فصاحته ، وبلاغته ، وإخباره عن أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون.
ثم نراه يأخذ في بيان اشتمال القرآن على ما جد من نظريات علمية تؤيد إعجاز القرآن ، فيقول : « إنه لو أطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي والتأليف كما أطلق لأهل التأويل والخرافات ، لرأوا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات من الإعجاز .. لرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن علي إعجازه بصدق قوله تعالي : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [ الأنعام : ٥٩ ] .. برهان عيان لا مجرد تسليم وإيمان ، ومثال ذلك ، أن العلم کشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة ، تعزي لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوروبا وأمريكا ، والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد التصريح أو التلمیح به في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنا ، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن ، شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه .
* إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي
* الجواهر للشيخ طنطاوي وهو في خمسة وعشرين جزءا
يقول فيه : يا أمة الإسلام ؛ آیات معدودات في الفرائض اجتذبت فرعا من علم الرياضيات ، فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلها .. هذا زمان العلوم ، وهذا زمان ظهور نور الإسلام ، هذا زمان رقیه ، يا ليت شعري .. لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث ؟ ولكني أقول : الحمد لله .. الحمد لله إنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم ، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض ، لأنه فرض كفاية ، فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة الله وهي فرض عين علي كل قادر … إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن ، هي التي أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء في الإسلام ، فهذا زمان الانقلاب ، وظهور الحقائق ، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقیم ( الجواهر : ٣/١٩)
ويقول في موضع آخر : إن نظام التعليم الإسلامي لابد من ارتقائه ، فعلوم البلاغة لیست نهاية علوم القرآن ، بل هي علوم لفظه ، وما نكتبه اليوم علوم معناه وانطباقها علي العلوم التي أظهرها الله في الأرض ، ولعل هذا الزمان سيظهر فيه آثار من قوله تعالي : هو إن علينا بیانه [ القيامة : ۱۹ ] فإن البيان المذكور في سورة القيامة أننا نبینه بلسانك فتقرأه كما أقراك جبريل ، وبمعني أنه إذا أشكل شئ من معانيه فنحن نبينه لك ، وعلينا بيان ما فيه من الأحكام والعجائب ولا جرم أن ما يتجدد اليوم من العلوم مما ذكر في هذا التفسير وما لم يذكر ، من البيان الذي أكد الله أنه يظهره الأمة الإسلام ، فالحمد لله الذي وفق في هذا التفسير لبعض العرفان تصديقا أن عليه البيان ( الجواهر ٢٥/٤٠)
ويقول في موضع آخر : لماذا ألف علماء الإسلام عشرات الألوف من الكتب الإسلامية في علم الفقه وعلم الفقه ليس له في القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية ؟ فلماذا كثر التأليف في علم الفقه ، وقل جدا في علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة ؟ بل هي تبلغ سبعمائة وخمسين آية صريحة . وهناك آيات أخري دلالتها تقرب من الصراحة . فهل يجوز في عقل أو شرع أن يبرع المسلمون في علم آیاته قليلة . ويجهلوا علما آياته كثيرة جدا ؟ إن آباءنا برعوا في الفقه ، فلنبرع نحن الآن في علم الكائنات .. لنقم به لترقي الأمة ( الجواهر :٢٥/٥٣)
هاك بعض الكتب
كتب التفسير بالمأثور :
١ – جامع البيان في تفسير القرآن : ابن جرير الطبري ، الأميرية
۲ – بحر العلوم : أبو الليث السمرقندی
٣ – الكشف والبيان عن تفسير القرآن : أبو إسحاق الثعلبی
٤ – معالم التنزيل : الحسين بن مسعود البغدادی
٥ – المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز : ابن عطية الأندلسي
٦ – تفسير القرآن العظيم : للحافظ عماد الدین ابن کثیر
۷ – الجواهر الحسان : عبد الرحمن الثعالبي
۸ – الدر المنثور : جلال الدين السيوطي
كتب التفسير بالرأي المحمود :
١- مفاتیح الغیب : الفخر الرازي
۲ – أنوار التنزيل وأسرار التأويل : البيضاوي
٣- مدارك التنزيل وحقائق التأويل : النسفي الحنفي
٤- لباب التأويل في معاني التنزيل : الخازن
٥ – البحر المحيط : أبو حيان
٦- تفسير الجلالين : الجلال المحلي والجلال السيوطي
۷ – غرائب القرآن ورغائب الفرقان : النيسابوري
۸ – السراج المنير : الخطيب الشربيني
٩ -إرشاد العقل السليم : أبو السعود
۱۰ – روح المعانی : الألوسي
کتب تفسير المعتزلة :
١- تنزيه القرآن عن المطاعن : القاضي عبد الجبار
۲ – أمالي الشريف المرتضى : الشريف المرتضی
٣- الكشاف : الزمخشری .
کتب تفسير الإمامية الإثنا عشرية :
١- مقدمة مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار : عبد اللطيف الكاز رانی
۲ – تفسير العسكري : الحسن العسکری
٣ – مجمع البيان : أبو علي الطبرسی
٤ – الصافي : ملا محسن الكاشی
٥ – تفسير القرآن : السيد عبد الله العلوی
٦ – بیان السعادة : سلطان الخراساني
کتب تفسير الزيدية :
١ – فتح القدير : الشوکانی
كتب تفسير الخوارج :
١- هميان الزاد إلى دار المعاد : محمد إطفيش
تفاسير الصوفية :
١ – تفسير القرآن الكريم : سهل التستری
۲ – حقائق التفسير : أبو عبد الرحمن السلمي
٣ – عرائس البيان في حقائق القرآن : أبو محمد روزبهان
٤ – التأويلات النجمية : نجم الدين داية وعلاء الدولة البيانانکی
٥ – تفسير ابن عربي ( تأويلات القاشاني ) : عبد الرزاق القاشاني
تفاسير الفقهاء :
١- أحكام القرآن ( حنفي ) : الجصاص
۲ – أحكام القرآن ( شافعي ) : الكيا الهراسی
٣- الإكليل في استنباط التنزيل ( شافعي ) : الجلال السيوطي
٤- أحكان القرآن ( مالکي ) : أبو بكر بن العربي
٥- الجامع لأحكام القرآن ( مالکي ) : القرطبي
٦ – کنز العرفان في فقه القرآن ( إثنا عشری )
۷ – الثمرات اليانعة ( زیدی ) : الفقيه يوسف الثلاثی كتب التفسير في العصر الحديث :
١ – الجواهر في تفسير القرآن الحکیم ، طنطاوی جوهری
۲ – الهداية والعرفان : أبو زيد الدمنهوري
٣ – الدروس الدينية : الشيخ محمد مصطفى المراغی ،
٤ – التفسير المنير للدكتور مصطفى الزحيلي
كتب علوم القرآن
١ – مقدمة التفسير : الراغب الأصطفهانی
۲ – مقدمة في أصول التفسير : ابن تيمية
٣ – جواهر القرآن : الغزالی
٤- الإتقان : الجلال السيوطي
ه – الفوز الكبير في أصول التفسير : ولي الله الدهلوي
٦- مبادىء التفسير : محمد الخضري الدمياطي
۷ – المدخل المنير : محمد حسين مخلوف العدوی
۸ – التفصيل في الفرق بين التفسير والتأويل : حامد العمادی
۹ – التفسير : معالم حياته .. منهجه اليوم : أمين الخولي
۱۰ – المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن الكريم : جولدز يهر ، تعریب علی حسن عبد القادر
١١ – إعجاز القرآن : مصطفى صادق الرافعي
۱۲ – منهج الفرقان : محمد أبو سلامة
۱۳ – مناهل العرفان : عبد العظيم الزرقاني
الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه .
وبعد :
فقد استعرضنا فيما سبق مباحث عديدة في تعريف التفسير وأصوله ونشأتها وشروط المفسر وآدابه والفرق بين التأويل والتفسير ثم الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والمشكل والمجمل والخفي والمحكم والمتشابه والمطلق والمقيد وغير ذلك . ثم وقفنا مع طرف من اتجاهات التفسير فعرفنا التفسیر بالماثور والتفسير بالرأي ، وما هو مقبول منه ، وما هو مردود والهدف من هذا كله أن يكون الطالب من دراسته لأصول التفسير فكرة معقولة – عن ضوابط التفسير ومتى يقبل ومتى يرفض وأننا في عصر جاوز أكثر الناس فيه أصوله واتبعوا هواهم في كل شيء حتى في تفسير القرآن.
والمطلوب من المسلم أن يكون عنده ملمة يحقق ويمحص بها الأمور وإن أفضل ما يكوّن هذه الملكة ويوجدها هو دراسة الأصول وتحصن الذهن من الأخطاء والأوهام.
ونسأل الله تعالى أن يجنبنا الزلل والشطط ، وأن يعفوا عنا وأن يسامحنا ، وأن يمسكنا بالأصول ، وأن يجعلنا من العاملين بها ، وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
المراجع
١- الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي
٢- البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي
٣- البحر المحيط للإمام الزركشي
٤- مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ الزرقاني
٥- مقدمة تفسير الطبري للإمام ابن جرير الطبري
٦- مقدمة تفسير القرطبي للإمام أبي عبد الله القرطبي
٧- مقدمة تفسير بن كثير للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير
٩- التيسير في أصول واتجاهات التفسير للدكتور عماد علي عبد السميع حسين
١٠- التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي ( ط / دار النفائس، الأردن . ط / مكتبة وهبة ، القاهرة)
١١-شرح مسلم للإمام النووي
١٢- معجم التعريفات للعلامة السيد الشريف الجرجاني
١٣- جمع الجوامع للإمام تاج الدين السبكي
١٤- شرح جمع الجوامع للإمام المحلي
١٥-إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
١٦- جواهر القرآن للإمام الغزالي
١٧- بحوث في أصول التفسير للدكتور محمد لطفي الصباغ
١٨ – كشف اصطلاحات الفنون للتهانوي
١٩- أصول الأحكام للسرخسي
٢٠- الإحكام في أصول الأحكام للإمام الآمدي
٢١- الناسخ والمنسوخ لهبة الله بن سلامة
٢٢- الجواهر للعلامة علي الطنطاوي
٢٣- تفسير المراغي لأحمد مصطفى المراغي
٢٤- تفسير السعدي
٢٥- تفسير الشعراوي
٢٦- تيسير الجلالين للعلامة عبد الرحمن باوا بن محمد المليباري
٢٧- معجم مصطلح الأصول لهيثم هلال
٢٩- لسان العرب
٣٠- التبيان في أقسام القرآن لابن القيم الجوزية
٣١-روضة الناظر لإبن قدامة
٣٢-في رحاب التفسير للشيخ عبد الحميد كشك
Please support our efforts: you can buy our books.
نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر مع التعليق والتحقيق
Nuzhathunnalar fi thoolihi nuqbathul fikr
Download book sample
Total Pages: 168
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹150 in India, ₹200 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الورقات في علم أصول الفقه مع التعليق والتحقيق
Sharahul waraqath
Download book sample
Total Pages: 120
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹130 in India, ₹180 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الميبذي على هداية الحكمة مع تعليقات
Sharahul maibadi ala hidayathul hikma
Download book sample
Total Pages: 200
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹230 in India, ₹280 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الورقات مع حاشية الدمياطي
Sharahul warakath with Hshiyathu thamyathi
Download book sample
Total Pages: 72
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹90 in India, ₹140 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
شرح الرشيدية على الرسالة الشريفة في آداب البحث والمناظرة مع التعليقين
Sharahu rasheediyya ala risalathishareefa
Download book sample
Total Pages: 96
Page Thickness: 60 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹90 in India, ₹140 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
تحرير القواعد المنطقية المعروف بالقطبي في شرح الرسالة الشمسية مع حاشية الجرجاني (القطبي ومير القطبي)
Thahrirul qavaidul mandiqiyya with hashiyathul jurjani (quthubi, meer)
Download book sample
Total Pages: 208
Page Thickness: 55 gsm
Page Size: 24 cm x 18 cm (Crown 1/4)
Binding: Perfect Paperback
To buy the book, click the image and order it through Amazon, or order directly by contacting us via WhatsApp at +919567263017.
Price: ₹185 in India, ₹235 in other countries (free delivery). It will arrive in India within 10 days, and in other countries within 16 days.
Leave a comment