ترجمة الإمام أبي حامد الغزالي الشافعي رحمه الله
اعداد : محمد لقمان بن علي الشامل العرفاني الكامل الثقافي عفا عنهما الله تعالى
إسمه وكنيته ولقبه وبلده
هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد(١) الطوسي الإمام الجليل، والإمام البحر، أعجوبة الزمان ، إمام أئمة الدين، أبو حامد الغزالي . (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢٠٤ ،٦/١٩١ – طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١٠ – سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٧٢) حكيم ، متكلم ، فقيه ، أصولي ، فيلسوف ، نظّار ، صوفي ، مشارك في أنواع من العلوم ( معجم المؤلفين ٣/٦٧١ – الأعلام للزركلي ٧/٢٢ -طبقات الفقهاء الشافعية لإبن الصلاح ص ٢٤٩ ) جمع بين علم الظاهر والباطن، وفاق أهل زمانه بتلخيص العبارة ، وحسن التمثيل والإستعارة ، وزاد على من كان قبله في تنميق التصنيف ، وأعجز من جاء بعده في حسن التأليف ،( الدر الثمين لابن الساعي ص ٨٣) ويلقب زین الدين وحجة الإسلام والمسلمين، وكان محجة الدين التي يتوص بها إلى دار السلام و أحد أئمة الشافعية في التصنيف والترتيب والقريب والتعبير والتحقيق والتحرير، وجامع أشتات العلوم والمبرز في المنقول منها والمفهوم وصاحب الذكاء المفرط (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢٠٤ ،٦/١٩١ – طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١٠ – سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٧٢) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر و مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس ، بخراسان ) ( الأعلام للزركلي بتص ٧/ ٢٢)
قال إبن النجار: هو إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالإتفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين وقته وأوانه ، ومن شاع ذكره في البلاد ، واشتهر فضله بين العباد ، واتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه ، وخافه المخالفون ، وانقهر بحججه وأدلته المناظرون ، وظهرت بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين ، وقام بنصر السنة وإظهار الدين ، وسارت مصنفاته في الدنيا مسير الشمس في البهجة والجمال ، وشهد له المخالف والموافق بالتقديم والكمال .
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٦)
مولده و أسرته و مبدأ تعلمه
ولد بطوس(٢) سنة خمسين وأربعمائة السنة التي توفي فيها الماوردي وأبو الطيب الطبري ،
ويحكى أن أباه كان فقيرا ، صالحا ، لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غزل الصوف ، ويطوف على المتفقهة ، ويجالسهم ، ويتوفر على خدمتهم ، ويجد في الإحسان إليهم، والنفقة بما يمكنه ، وأنه كان إذا سمع كلامهم بكى ، وتضرع وسأل الله أن يرزقه ابنا ، ويجعله فقيها ، ويحضر مجالس الوعظ ، فإذا طاب وقته بكى ، وسأل الله أن يرزقه ابنا واعظا ، فاستجاب الله دعوتيه .
أما أبو حامد ( إمامنا) فكان أفقه أقرانه وإمام أهل زمانه.
وأما أحمد (أخوه) فكان واعظا تنفلق الصم الصخور عند استماع تحذيره.(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٤- طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٠)بقي أحمد إلى حدود العشرين وخمس مائة .(سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٨١)
وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس ، فلما مرض بالمرض الذي مات فيه أوصى بولدیه محمد وأحمد إلى صديق له صوفي صالح من أهل الخير يعلمهما الخط، وقال له: إن لي لتأسفا عظيما لتعلم الخط، وأشتهي استدراك ما فاتني في ولديّ هذين فعلمهما ، ولا عليك أن تنفذ في ذلك جميع ما أخلفه لهما.
فلما مات أقبل الصوفي علي تعليمهما إلى أن فني ما خلف لهما أبوهما ، وتعذر على الصوفي القيام بقوتهما ، فقال لهما : اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما ، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي و أرى لكما أن تلجأ إلى المدرسة كأنكما طالبان ، فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك، قال القزالي :: فصرنا إلى المدرسة لطلب الفقه ليس المراد إلا تحصيل القوت فأبى أن يكون إلا لله. وكان هو السبب في سعادتهما ، وعلو درجتهما وكان الغزالي يحكي هذا ويقول: طلبنا العلم لغير الله ،وفأبى أن يكون إلا لله .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٣،١٩٣- طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٠ – طبقات الشافعية لإبن هداية ص ١٩٣)
قرأ في صباه طرفا من الفقه ببلده على أحمد بن محمد الرذاكاني . ثم سافر إلى جرجان ثم رجع إلى طوس .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/١٩٥)
أخوه
هو أحمد بن محمد ، أبو الفتوح ، مجد الدين الطوسي الغزالي : فقيه شافعي ، كان من أئمة العلم والورع ، ولم يوجد مثله في الوعظ . غلب عليه علم التصوف والخلوة ، فتوجه إلى الطاعة ، وكان لا يفتر منها ليلا ، حتى صار ذا كرامات ظاهرة ، وشيخا للمتصوفة . درس بالنظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه . توفي بقزوين سنة عشرين وخمسمائة .له لباب الإحياء اختصر فيه كتاب إحياء علوم الدين لأخيه و الدخيرة في علم البصيرة .
( طبقات الشافعية لإبن هداية مع هامشه ص ١٩٥)
عمه
هو أحمد بن محمد ، وكنيته أبو محمد ، وأبو حامد أيضا . من أكابر فقهاء الشافعية ، وحيث يطلق أبو حامد الغزالي الكبير هو ذلك غالبا ، لا حجة الإسلام . تفقه على صاحب الزيادي واشتهر حتى أذعن له فقهاء الفريقين ، وأقر بفضله علماء المشرقين والمغربين ، توفي بطابران طوس في سنة ٤٣٥ ه .
( طبقات الشافعية لإبن هداية مع هامشه ص ١٩٦)
رحلته إلى البلاد للعلم والتعلم
فاشتغل الغازالي ببلده طوس ، وقطع قطعة كبيرة من الفقه على أحمد الراذكاني ثم تفرق عن أخيه ، فارتحل إلى جرجان إلى أبي نصر الإسماعيلي ، فأقام عنده حتی کتب عنه التعليقة . ثم ارتحل إلى إمام الحرمین بنيسابور، في طائفة من الشبان من طوس . فاشتغل عليه ولزمه وحظي عنده وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة ، وجلس للإقراء في حياة إمامه وحمل القرآن و برع في المذهب والخلاف والجدل والأصلين والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة وأحكم كل ذلك وصار أنظر أهل زمانه وأوحد أقرانه في أيام إمام الحرمين وكان الطلبة يستفيدون منه ، ويدرس لهم ويرشدهم ، ويجتهد في نفسه ، وبلغ الأمر إلى أن أخذ في التصنيف والتعليق وصنف في كل فن من العلوم المذكورة كتبا ، أحسن تأليفها ، وأجاد وضعها وترصيفها . وكان إمام الحرمين يفتخر به ويتبجح ؛ ويقال : إنه كان مع ذلك بنحصر في تصانيف الغزالي ، وأنه لما صنف کتاب المنخول ، عرضه على الإمام فقال : دفنتني وأنا حي ، فهلا صبرت حتى أموت ، لأن كتابك غطى على كتابي ، وقيل غير ذلك والله أعلم .( طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٠-طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢٠٤, ٦/١٩٦ – شذرات الذهب ٦/١٩ -طبقات الشافعية لإبن هداية ص١٩٣ )
القصة الداعية للإمام على الحفظ
قال الإمام أسعد المهني : فسمعته يقول : قطعت علينا الطريق ، وأخذ العيّارون جميع ما معي ، ومضوا ، فتبعتهم ، فالتفت إليّ مقدمهم ، وقال : إرجع ، ويحك ، وإلا هلكت . فقلت له أسألك بالذي ترجو السلامة منه ، أن ترد عليَّ تعليقتي فقط ، فما هي بشيء تنتفعون به ، فقال لي : وما هي تعليقتك ؟ فقلت : كتب في تلك المخلاة ، هاجرت لسماعها ، وكتابتها ، ومعرفة علمها . فضحك ، وقال : كيف تدعي أنك عرفت علمها ، وقد أخذناها منك ، فتجردت من معرفتها ، وبقيت بلا علم ! .ثم أمر بعض أصحابه ، فسلم إليّ المخلاة . قال الغزالي : فقلت : هذا مستنطق ، أنطقه الله ليرشدني به في أمري ، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين ، حتى حفظت جميع ما علقته ، وصرت بحيث لو قطع عليٌ الطريق لم أتجرد من علمي.
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٥)
بعد تحصيله وتدرسه
ولما مات إمام الحرمین خرج الغزالي إلى المعسكر قاصدا للوزير ، نظام الملك ، إذ كان مجلسه مجمع أهل العلم ، وملاذهم ، فناظر الأئنة العلماء بحضرته ، وقهر الخصوم ، وظهر كلامه عليهم ، واعترفوا بفضله ، وتلقاه النظام بالتعظيم ، والتبجيل ، وولاه تدريس النظامية ببغداد ، وأمره بالتوجه إليها ، فظهر اسمه وشاع أمره .
فقدم بغداد في سنة أربع وثمانين وأربع مائة ودرّس بالمدرسة الميمونية النظامية ، وأعجب الخلق حسن كلامه ، وكمال فضله ، وفصاحة لسانه ، ونكته الدقيقة ، وإشاراته اللطيفة ، وأحبوه وأعجبوا بمناظرته وفضائله ، وما لقوا مثل نفسه ، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق ،(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي٢٠٤، ٦/١٩٧ – طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١١) وخرج له الأصحاب ( العبر للذهبي ٢/٣٨٧)
مبدأ تصنيفه و شهرته
ثم نظر في علم الأصول ، وكان قد أحكمها ، فصنف فيه تصانيف ، وجدد المذهب في الفقه ، فصنف فيه تصانيف ، وسبك الخلاف ، فحرر فيه أيضا تصانيف .(؛طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٥ ) فعظمت حشمته ببغداد ، حتى كانت بلغت حشمة الأمراء والأكابر ( طبقات الشافعية لإبن كثير بتصرف ص ٥١١ )وله نحو مئتي مصنف( الأعلام للزركلي ٧/٢٢)
أنشد أبو حفص الطرابسي :
هذب المذهب حبر
أحسن الله خلاصه
ببسيط ووسيط
ووجيز وخلاصه
طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢٣)
حال علمه وفهمه
وكان رضي الله عنه شديد الذكاء ،شديد النظر ، عجيب الفطرة ، مفرط الإدراك ، قوي الحافظة ، بعيد الغور ، غواسا على المعاني الدقيقة ، جبل علم ، مناظرا ، محجابا (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٦)وجمع بين علم الظاهر والباطن( الدر الثمين لابن الساعي ص ٨٣)
وكان إمام الحرمين يصف تلامذته ، فيقول : الغزالي بحر مغدق ، وإلكيا أسد مخرق ، والخوافي نار تحرق.
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٦)
إقباله على العبادة والتصوف
وأقام على التدريس وتدريس العلم ، ونشره بالتعليم والفتيا والتصنيف مدة عظيم الجاه ، زائد الحشمة ، عالي الرتبة ، مسموع الكلمة ، مشهور الاسم ، تضرب به الأمثال ، وتشد إليه الرحال ، إلى أن عزفت نفسه عن رذائل الدنيا ، فرفض ما فيها من التقدم والجاه ، وترك كل ذلك وراء ظهره ، فانسلخ من ذلك الوظائف والتدريس ، وأقبل على العبادة والزهادة وتصفية الخاطر.( طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١١ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٧) ) سنة ٤٨٨ ه ( طبقات الشافعية لإبن هدايةص١٩٤) وأخذ في مجاهدة النفس ورياضة الأخلاق وتهذيبها ، والخروج عن الرسوم العادية والترتيبات ، وقصر الأمل والتزيي بزي الصالحين ، ووقف الأوقات على مصالح الخلق ، والإشتغال بهداية السالكين، والإستعداد للرحيل عن الدنيا إلى الدار الباقية ، حتى ظهرت عليه آثار أنوار المشاهدة ، والقرب من الباري جل جلاله ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي (الدر الثمين لإبن الساعي ص ٨٩)
قال عبد الغافر الفارسي معاصر الغزالي : حكى( أي الغزالي ) لنا في ليال كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله ، وغلبت الحال عليه بعد تبحره في العلوم ، واستطالته على الكل بكلامه ، والإستعداد الذي خصه الله به ، في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكنه من البحث والنظر ، حتى تبرم من الإشتغال بالعلوم العربية ، عن المعاملة .
وتفكر في العاقبة ، وما يجدي وما ينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة الفرمذي ، وأخذ منه استفتاح الطريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه ، من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النوافل ، واستدامة الأذكار ، والجد ، والإجتهاد ، طلبا للنجاة ، إلى أن جاز تلك العقبات ، وتكلف تلك المشاق ، وما تحصل على ما كان يطلبه من مقصوده .
ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجد والاجتهاد ، في كتب العلوم الدقيقة ، والتقى بأربابها ، حتى انفتح له أبوابها ، وبقي مدة في الوقائع ، وتكافي الأدلة ، وأطراف المسائل .
ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف ، بحيث شغله عن كل شيء ، وحمله على الإعراض عمّا سواه ، حتى سهل ذلك .وهكذا ، هكذا ، إلى ارتاض كل الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنا نظن به ناموسا ، وتخلقا وتحققا ، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى .
ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور .فقال معتذرا عنه : ما كنت أجوِّز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفع الطالبين بالإفادة ، وقد حُقّ عليّ أن أبوح بالحق وأنطق به ، وأدعوا إليه ، وكان صادقا في ذلك ، ثم ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته . (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٩،٢١٠)
وذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه زاد السالكين أن القاضي ألا بكر بن العربي قال : رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازة ، وعليه مرقعة ، وعلى عاتقه ركوة ، وقد كنت رأيته ببغداد يحضر مجلس درسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم ، يأخذون عنه العلم ، قال : فدنوت منه وسلمت عليه ، وقلت له : يا إمام ! أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا ؟ قال : فنظر إلى شزرا (٣) ، وقال : لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة – أو قال سماء الإرادة – وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول :
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل
وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه
منازل من تهوى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد
لغزلي نساجا فكسرت مغزلي
إنتهى.
شذرات الذهب ٦ /٢٢)
سياحته بالزهد والتصوف
خرج إلى الحجاز الشريف سنة ثمان وثمانين ، واستناب أخاه في التدريس وقصد بيت الله الحرام فحج ، ورجع إلى دمشق فدخله في سنة تسع وثمانين فلبث فيها يويمات يسيرة على قدم الفقر ، ثم توجه إلي بيت المقدس ، فجاور به مدة .
ثم عاد إلى دمشق ، فاستوطنها عشر سنين ، واعتكف بجامعها بالمنارة الغربية منه ، واجتمع بالفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي في زاويته التي تعرف اليوم بالغالية ، بالجامع الأموي ، المعروفة اليوم بالغزالية ، نسبة إليه ، (وكانت تعرف قبله بالشيخ نصر المقدسي ) وكان يكثر الجلوس فيها . وأخذ في العبادة والتصنيف ، ويقال : إنه صنف إحياء علوم الدين بدمشق، والأربعين ، وكتاب القسطاس ، وكتاب محك النظر وعدة من الكتب والرسائل خلال هذه السياحات .
ثم صار إلى مصر وتوجه منها الى الإسكندرية فأقام بها مدة ، وعزم على الأهاب إلى ملك الغرب يوسف بن تاشفين بمراكش ، فبلغه نعيه ، فترك ذلك . وقيل : مضى إليه لما بلغه من عدله.
واستمر يحول في البلدان ، ويزور المشاهد ، ويطوف على الترب والمساجد ، ويأوي القفار ، ويروض نفسه ، ويجاهدها جهاد الأبرار ، ويكلفها مشاق العبادات ؛ بأنواع القرب والطاعات إلى أن صار قطب الوجود ، والبركة العامة بكل موجود والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن ، والسبيل المنصوب إلي مركز الإيمان.
ثم رجع إلى بغداد ، وعقد بها مجلس الوعظ ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة ، وحدث بكتاب الإحياء.
قال الحافظ ابن عساكر : أقام الغزالي بالشام نحوا من عشرين سنة ، كذا نقله الذهبي .
وفي فترة هذه السياحات أخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتحسين الشمائل ، وتهذيب المعاش ، فانقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرياسة والجاه ، والتخلق بالأخلاق الذميمة ؛ إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم والترتيبات ، والتزيي بزي الصالحين ، وقصر الأمل ، ووقف الأوقات على هداية الخلق ، ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة ، وتبغيض الدنيا ، والإشتغال بها على السالكين ، والإستعداد للرحيل إلى دار الباقية والإنقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة ، أو التيقظ لشيئ من أنوار المشاهدة ، حتى مرن على ذلك ، ولان .
ثم عاد إلى وطنه خراسان لازما بيته ، مشتغلا بالتفكر ، ملازما للوقت ، مقصودا ، نفيسا ، ودخرا للقلوب ولكل من يقصده ويدخل عليه ، ودرس بالمدرسة النظامية أيضا ، بنيسابور مدة يسيرة ثم رجع إلى مدينته طوس.
( طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١١ – طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بتصرف ،٦/١٩٧،١٩٩،٢٠٦،٢٠٧ -سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٧٢ )
فصل : في بعض الحكايات هنا
* منها : أنه قصد الإجتماع بالشيخ نصر ، وأنه لم يدخل دمشق إلا يوم وفاته ، فصادف أنه دخل إلى الجامع ، وهو لابس زي الفقراء ، فاتفق جلوسه في الزواية المشار إليها ، فبعد هنيهة أتى جماعة من طلبة العلم ، وشاكلوه في العلوم ، بعد أن تأملوه ، ونظروا إليه مليا ، فوجدوه بحرا لا ينزف.
فقال لهم : ما فعل الشيخ نصر المقدسي ؟
قالوا : توفي ، وهذا مجيئنا من مدفنه ، وكان لما خضرته الوفاة سألناه من يخلفك في حلقتك .
فقال : إذا فرغتم من دفني عودوا إلى الزواية تجدوا شخصا أعجميا ، ووصفك لنا ، اقرأوه مني السلام ، وهو خليفتي .
قال السبكي : وهذه الحكاية لم تثبت عندي ، ووفاة الشيخ نصر كانت سنة تسعين وأربعمائة ، وإن صحت فلعل ذلك عند عوده إلى دمشق من القدس ، وإلا فقد كان اجتماعه به ممكنا لما دخل دمشق ، سنة تسع وثمانين ، قبل وفاة الشيخ نصر بسنة . وصرح شيخنا الذهبي بأن الغزالي جالس نصرا .
وقال : قلت : والذي أوصى نصر المقدسي به أن يخلفه بعده ، هو نصر المصيصي تلميذه .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٨)
* ومنها : أنه لما دخلها على زي الفقراء ، جلس على باب الخانقاه السُّميساطية إلى أن أذن له فقير مجهول لا يعرف ، وابتدأ بكنس الميضات التي للخانقاه وخدمتها .
واتفق أن جلس يوما في صحن الجامع الأموي ، وجماعة من المفتين يتمشّون في الصحن ، وإذا بقروي أتاهم مستفيا ، ولم يردوا عليه جوابا ، والغزالي يتأمل ، فلما رأى الغزالي أنه لا أحد عنده جوابه ، ويعز عليه عدم إرشاده ، دعاه وأجابه .فأخذ القروي يهزأ به ، ويقول : إن كبار المفتين ما أجابوني ، وهذا فقير عامي ، كيف يجيبني ؟ وأولئك المفتون ينظرونه .
فلما فرغ من كلامه معه دعووا القروي ، وسألوه : ما الذي حدثك به هذا العامي ؟
فشرح لهم الحال .
فجاءوا إليه ، وتعرفوا به ، واحتاطوا به ، وسألوه أن يعقد لهم مجلسا ، فوعدهم إلى ثاني يوم ، وسافر من ليلته ، رضي الله عنه.
طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/١٩٩) ).
* ومنها : أنه صادف دخوله يوما المدرسة الأمينية ، فوجد المدرس يقول : قال الغزالي ، وهو يدرس من كلامه.فخشي الغزالي على نفسه العجب ، ففارق دمشق ، وأخذ يحول في البلاد ، فدخل منها إلى مصر ، وتوجه منها إلى الإسكندرية ، فأقام بها مدة.
رجوعه إلى وطنه
ثم عاد إلى وطنه طوس وقد تهذبت الأخلاق وارتاضت النفوس ، وسكنت وتبخرت في علوم كثيرة من الأصول والفروع والشرعیات وغيرها من علوم الأوائل . وجمع من كل فن وصف فيه إلا النحو فإنه لم يكن فيه بذاك ، وإلا الحديث فإنه كان يقول : أنا مزجي البضاعة في الحديث ، فأقام ببلده مديدة مقبلا على التصنيف والعبادة وملازمة التلاوة وعدم مخالطة الناس ( طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١١).
عوده إلى التدريس والتعليم
ثم إن الوزير فخر الملك ابن نظام الملك خطبه إلى تدريس النظامية بنيسابور لئلا تبقى فوائده عقيمة ، فأجاب إلى ذلك محتسبا فيه الخير والإفادة ونشر العلم ، وعاد الليث إلى عرينه ، وسلم الشجاع غضبه بيمينه ، فأقام مدة يسيرة على ذلك ، وكل قلبه متعلق بما فتح عليه من الطريق.( طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١١)
رجوعه إلى داره وإعراضه من الملوك وهجومه علي العبادة والعمل
ثم ترکه أيضا ورجع إلى مدينته طوس وأقبل على لزوم داره ،واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء ، وخانقاه للصوفية ، ولزم تلاوة القرآن والاشتغال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحيح البخاري ، ولو طالت مدته لبرز في الحديث.
ووزع أوقاته على وظائف ، من ختم القرآن ، ومجالسة أرباب القلوب ، والتدريس لطلبة العلم ، وإدامة الصلاة والصيام وسائر العبادات ، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة ؛ إلى أن أصابه عين الزمان ، وضنت الأيام به على أهل عصره ، فنقله الله إلى كريم جواره ، بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسعي به إلى الملوك ، وكفاية الله به ، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات ، أو ينهتك ستر دينه يشيء من الزلات .والله تعالى يخصه بأنواع الكرامة في آخرته ، كما خصه بفنون العلم في دنياه بمنه.
(طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١١،٥١٢ – طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٠،٢١١)
الرحيل إلى الرحيم (وفاته رحمه الله)
قال أحمد ، أخو الإمام الغزالي : لما كان يوم الإثنين ، وقت الصبح ، توضأ أخي أبو حامد وصلى ، وقال : علي بالكفن ، فأخذه ، وقبله ، ووضعه على عينيه ، وقال : سمعا وطاعة للدخول على الملك ، ثم مد رجليه ، واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار ، قدس الله روحه ( طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/٢٠١) وقال محمد بن محمد الخزيمي على منبره ببغداد سمعت من حضر موت حجة الإسلام الغزالي ، وسأله بعض أصحابه : أوصني ، فقال : عليك بالإخلاص ، وجعل يكرره حتى زهقت روحه .( طبقات الفقهاء الشافعية لإبن الصلاح ص ٢٥١)
وكان وفاته قدس الله روحه بطوس يوم الإثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة وله خمس وخمسون سنة ( أي عمره خمس وخمسون سنة ) ، ودفن بمقبرة الطابران وهي قصبة بلاد طوس رحمه الله . ومشهده بها يزار .( طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٢ – طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠١)
ورثاه الأبيوري بأبيات منها:
مضى وأعظم مفقود فجعت به
من لا نظير له في الناس يخلفه
( أحوال الطيبين الصالحين عند الموت ص ١٥٤)
يأتي جميع هذه المرثيات في أواخر الكتاب.
وتمثل الإمام إسماعيل الحاكمي بعد وفاته بقول أبي تمام من جملة قصيدة مشهورة :
عجبت لصبري بعده وهو ميت
وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها
عجائب حتى ليس فيها عجائب
( أحوال الطيبين الصالحين عند الموت ص ١٥٤)
إسناده وسماعه ورواياته
سمع الغزالي صحيح البخاري من أبي سهل محمد بن عبد الله الحفصي .ويقال : أيضا سمع بعض سنن أبي داود من القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي
وسمع من الأحاديث المتفرقة اتفاقا مع الفقهاء ، سمع من أبي عبد الله بن محمد بن أحمد الخوارزمي مع ابنيه الشيخين عبد الجبار وعبد الحميد كتاب المولد لابن عاصم الشيباني، عن أبي بكر بن أحمد ابن الحارث ابن أبي الفتح عنه .
ومن ذلك ما قال : أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الخُواري ، أخبرنا أبو بكر بن الحارث الإصبهاني ، أخبرنا أبو محمد بن حيان ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت ، حدثنا الزبير بن موسى ، عن أبي الحويرث ، قال : سمعت عبد الملك بن مروان سأل قباث ابن أشْيم الكناني : أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه ، ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل .
. (طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٢ – طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٠،٢١٢،٢١٣)
قال الإمام إبن كثير رحمه الله ” ومما وقع لي من رواية الغزالي رحمه الله ، قرأت على شيخنا الإمام الحافظ العلم الحجة الجهبذ جمال الذين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمان بن يوسف المزي قلت له : أخبرك الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسي قراءة عليه ، أنبأنا أبو المظفر المعاني عبد الرحيم إبن أبي سعد إذنا ، أخبرنا السيد أبو القاسم عبد الله بن الحسین الحسيني الكوفي قراءة عليه ، أخبرنا أبو علي الفضل بن محمد الفارمذي حدثنا الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه ، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد القطان ، حدثنا أبو سعيد إسماعيل بن محمد بن عبد العزيز الخلال الجرجاني ، حدثنا أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة ابن أبي الليث العسقلاني ، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن سليمان بن مهران ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، حدثنا نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق . الحديث ؛ هكذا وقع في روايتنا ، وهو حديث متفق على صحته . رواه الجماعة في كتبهم الستة من طرق متعددة من حديث سليمان بن مهران الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود رضي الله قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : « إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ، رزقه وأجله وشقي أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة .
وبالإسناد المتقدم إلى الغزالي رحمه الله ، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر الخفاف ، حدثنا أبو العباس السراج ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا أبو عوانة عن هلال الوزان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا .
( طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٥)
تصانيفه الثمينة وتواليفه العميقة
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان : وله من التصانيف :البسيط ، والوسيط والوجيز والخلاصة في الفقه ، وإحياء علوم الدين ، والمستصفى في أصول الفقه ، والمنخول ، واللباب ، وبداية الهداية ، وكيمياء العادة ، وتحصين المأخذ والمعتقد ، وإلجام العوام ، والرد على الباطنية ، ومقاصد الفلاسفة ، وتهافت الفلاسفة وجواهر القرآن ، والغاية القصوى ، وفضائح الإباحية ، وغور الدور ، ومحك النظر ، ومعيار العلم ، والمنتخل في الجدل ، وشرح الأسماء الحسنی ، ومشكاة الأنوار ، والمنقذ من الضلال ، وحقيقة القولين ، والمضنون به على غير أهله ، وكذا ذكره غير واحد في مصفاته وأنكره بعضهم . قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح : وأما المظنون به على غير أهله ، فمعاذ الله أن يكون له ؛ شاهدت على نسخة بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله موضوع على الغزالي ، وأنه مخترع من كتاب مقاصد الفلاسفة ، وقد نقضه بكتاب التهافت. (طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١٢)
فصل : في إنكار البعض وإعتراضه على الإمام الغزالي ورده
ولما كان الغزالي رحمه الله قد أوغل في علوم كثيرة وصنف في كثير منها واشتهرت ، فصار من نظر في شيء منها يعتقد أنه كان يقول بذلك ، وإنما قاله والله أعلم أثرا لا معتقدا ، وقد رجع عن ذلك كله آخر عمره إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والاشتغال بحديث البخاري ، حتى يقال : إنه مات وهو على صدره ، وقد كثر القيل والقال في بعض مصنفاته والاستدلال عليه في الفروع وذلك سهل ، والأصول وهو أشده ؛ واشتد إنكار جماعة من علماء المغرب لبعضها ، حتى إنهم أحرقوا كثيرا منها ببلادهم ، وتكلموا على ما اعتمده في إحياء علوم الذين من إيراد أحاديث كثيرة منكرة ولا شك في عذر من أنكر المنكر .
وتكلم على هذا الكتاب القاضي أبو بكر ابن العربي ، وأبو عبد الله محمد ابن علي المازري ، وأبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ، وغيرهم ، وأفردوا في ذلك ردودا ومؤاخذات ، كل بحسب ما رأی .
وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد المنعم العبدوي ، المؤذن : رأيت بالإسكندرية ، في سنة خمسمائة ، في إحدى شهري المحرم أو صفر ، فيما يرى النائم ، كأن الشمس طلعت من مغربها ، فعبر ذلك بعض المعبرين ببدعة تحدث فيهم ، فبعد أيام وصلت المراكب بإحراق كتب الإمام أبي حامد الغزالي بالمريّة
وقد ذكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في ترجمته في الطبقات طرفا من ذلك فصلا ، وأنكر هو عليه إدخاله مقدمة المنطق في المستصفى ، وخلطه المنطق بأصول الفقه ، قال : وذلك بدعة عظم شؤمها على المتفقهة حتى كثر فيهم بعد ذلك المتفلسفة ، والله المستعان . وأنكر قوله في المقدمة : هذه مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا . قال : وقد سمعت الشيخ العماد ابن يونس يحكي عن يوسف الدمشقي مدرس نظامية بغداد ، وكان من النظار المعروفين : أنه كان ينكر هذا الكلام ويقول : فأبو بكر وعمر وفلان وفلان يعدد أولئك السادة ، عظمت حظوظهم من البلج واليقين ، ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأشباهها . (طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١٢،٥١٣ – طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٧)
ومما كان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو ، يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، واعترف لأنه ما مارس ذلك الفن ، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنه كان يؤلف الخطب ، ويشرح الكتب ، بالعبارات التي تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثاله ، وأذن الذين يطالعون كتبه ، فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ ، أن يصلحوه ، ويعذوه ، فما كان قصده إلا المعاني ، وتحقيقها ، دون الألفاظ ، وتلفيقها .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١١)
شذوذ من مسائله
ومن مفرداته في الفقه أنه ذكر في بداية الهداية في سنية الجمعة بعدها أن له أن يصليها ركعتين وأربعا وستا ، فأبعد في الست ، وشذ. قال النووي معتذرا عن الغزالي : وقد روى الشافعي بإسناده عن علي أنه قال : من كان منكم مصليا الجمعة فليصل بعدها ست رکعات . قلت : وقد حكي نحو هذا عن أبي موسى وعطاء ومجاهد وحميد بن عبد الرحمان والثوري وهو رواية عن الإمام أحمد . وروى أبو داود في سننه عن ابن عمر أنه قال : إذا كان بمكة فصلي الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا ، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين . ولم يصل في المسجد ، فقيل له : يا أبا عبد الرحمان ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعه ) ، هذا لفظه . وفي الصحيحين عن ابن عمر الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته .(طبقات الشافعية لإبن كثير ص٥١٣،٥١٤)
أقوال العلماء عنه
كلام أهل عصره
* إمام الحرمين ( ت ٤١٩ ه ):
الغزالي بحر مغدق . وقال الحافظ أبو طاهر السلفي : سمعت الفقهاء يقولون : كان الجويني ، يعني إمام الحرمين ، يقول في تلامذته إذا ناظروا : التحقيق للخوافي ، والحدسيات للغزالي ، والبيان للكيا .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٢)
* الإمام محمد بن يحيى تلميذه : الغزالي هو الشافعي الثاني .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٢)
* أسعد الميهني : لا يصل إلى معرفة علم الغزالي وفضله إلا من بلغ ، أو كاد يبلغ الكمال في عقله .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٢)
* عبد الغافر الفارسي خطيب نيسابور :
لقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه ، من الزعارة وإيحاش الناس والنظر إليهم بعين الإزدراء والإستخفاف بهم كبرا وخيلاء واغترارا بما رزق من البسطة في النطق والخاطر والعبارة وطلب الجاه والعلو في المنزلة أنه صار على الضد ، وتصفي عن تلك الكدورات .
وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف ، متنمس بما صار إليه ، فتحققت بعد السبر والتنقير ، أن الأمر على خلاف المظنون ، وأن الرجل أفاق بعد الجنون .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٨)
كلام من جاء بعد عصره
* الإمام تاج الدين السبكي ( ت ٧٧١ ه ):
هو طيب الثناء ، أعلى منزلة من نجم السماء ، لا يكرهه إلا حاسد أو زنديق ، ولا يسومه بسوء إلا حائد عن سواء الطريق ، ينشدهم لسان حاله :
وإن تكنفني من شرهم غسق
فالبدر أحسن إشراقا مع الظلم
وإن رأوا بخس فضلي حق قيمته
فالدر در وإن لم يشر بالقيم
.(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠١)
* الحافظ أبو القاسم بن عساكر :
كان إماما في علم الفقه مذهبا وخلافا ، وفي أصول الديانات .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٤)
* الحافظ أبو سعد بن السمعاني ( ت ٥٦٣ ه ) :
قال في الغزالي : من لم أر العيون مثله لسانا ، وبيانا ، ونطقا ، وخاطرا ، وذكاء ، وطبعا .
* ابن النجار :
إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالإتفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين وقته وأوانه ، ومن شاع ذكره في البلاد ، واشتهر فضله بين العباد ، واتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه ، وخافه المخالفون ، وانقهر بحججه وأدلته المناظرون ، وظهرت بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين ، وقام بنصر السنة وإظهار الدين ، وسارت مصنفاته في الدنيا مسير الشمس في البهجة والجمال ، وشهد له المخالف والموافق بالتقديم والكمال .
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٦)
وكان شديد الذكاء ، قوي الإدراك ، ذا فطنة ثاقبة ، وغوص على المعاني ، حتى قيل : إن ألف المنخول فرآه أبو المعالي ( إمام الحرمين ) ، فقال : دفنتني وأنا حي ، فلا صبرت الآن ، كتاب غطى على كتابي .(سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٧٢)
* الذهبي :
الغزالي إمام كبير ، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ .أدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ، ومزال الأقدام ، ولله سر في خلقه (سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٧٢،٣٦٨٠)
* الإمام الإسنوي ( ت ٧٧٢ه ) :
الغزالي إمام باسمه تنشرح الصدور ، وتحيا النفوس ، وبرسمه تفتخر المحابر وتهتز الطروس ، وبسماعه تخشع الأصوات وتخضع الرؤوس .( شذرات الذهب ٦ /١٩) وهو قطب الوجود ، والبركة الشاملة لكل موجود ، وروح خلاصة أهل الإيمان ، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن ، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق ، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق .( شذرات الذهب ٦ /٢١)
* إبن الساعي ( ت ٦٧٤)
جمع بين علم الظاهر والباطن، وفاق أهل زمانه بتلخيص العبارة ، وحسن التمثيل والإستعارة ، وزاد على من كان قبله في تنميق التصنيف ، وأعجز من جاء بعده في حسن التأليف ، ومن نظر في تصانيفه علم أنه كان منقطع القرين ، متفننا في كثير من العلوم ، لا يشق غباره، ولا يدرك مضماره،( الدر الثمين لابن الساعي ص ٨٣)
تلامذته
* الإمام محمد بن يحيى
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢٠٢)
أخلاقه وأولاده
وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته ، ونفقة أهله وأولاده ، فما كان يباسط أحدا في الأمور الدنيوية ، وقد عرضت عليه أموال ، فما قبلها ، وأعرض عنها ، واكتفى بالقدر الذي يعنون به دينه ، ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال ومنال من غيره .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١١)
قال إبن السمعاني : قرأت في كتاب كتبه الغزالي إلى أبي حامد بن أحمد ابن سلامة بالموصل ، فقال في خلال فصوله : أما الوعظ فلست أرى نفسي أهلا له ؛ لأن الوعظ زكاة نصابه الإتعاظ ، فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكوة ؟ وفاقد الثوب كيف يستر به غيره ، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟ وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام : عظ نفسك ؛ فإن اتعظت فعظ الناس ، وادإلا فاستحيي مني .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٦)
نبذة من أبرز كلامه
* الوعظ زكاة نصابه الإتعاظ ، فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكوة ؟ وفاقد الثوب كيف يستر به غيره ، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟ وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام : عظ نفسك ؛ فإن اتعظت فعظ الناس ، وادإلا فاستحيي مني .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٦)
كراماته
* قال إبن السمعاني : كان في زماننا شخص يكره الغزالي ويذمه ويستعيبه في الديار المصرية فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وأبا بكر ، وعمر رضي الله عنهما بجانبه ، والغزالي جالس بين يديه ، وهو يقول : يا رسول الله ، هذا يتكلم فيّ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : هاتوا السياط ، وأمر به ، فضرب لأجل الغزالي ، وقام هذا الرجل من النوم ، وأثر السياط على ظهره ، ولم يزل ، وكان يبكي ويحكيه للناس (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بتصرف ٦/٢١٨،٢١٩)
* قال إبن السمعاني :وحكى لي بعض الفقهاء ، أهل الخير بالديار المصرية ، أن شخصا تكلم في الغزالي في درس الشافعية ، وسبه ، فحمل هذا الحاكي من ذلك هما مفرطا ، وبات تلك الليلة ، فرأى الغزالي في النوم ، فذكر له ما وجد من ذلك ، فقال : لا تحمل هما ، غدا يموت ،
فلما أصبح توجه إلى الشافعية ، فوجد ذلك الفقيه قد حضر طيبا في عافية ، ثم خرج من الدرس ، فلم يصل إلى بيته إلا وقد وقع من على الدابة ، ودخل بيته في حال التلف ، وتوفي آخر ذلك النهار .(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٩)
* وقال : ومما يعد كرامات الغزالي أيضا ، أن السلطان علي بن يوسف بن تاشْفين ، صاحب المغرب ، الملقب بأمير المسلمين ، خيل إليه لما دخلت مصنفات الغزالي إلى المغرب أنها مشتملة على الفلسفة المحضة .
وكان المذكور يكره هذه العلوم ، فأمر بإحراق كتب الغزالي ، وتوعد بالقتل من وجد عنده شيء منها ، فاختلت حاله وظهرت في بلاده مناكير كثيرة ، وقويت عليه الجند ، وعلم من نفسه العجز ، بحيث كان يدعو الله بأن يقيض للمسلمين سلطانا يقوَى على أمرهم ، وقوي عليه عبد المؤمن بن علي .ولم يزل من حين فعل بكتب الغزالي ما فعل في عكس ونكد إلى أن توفي . (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/٢١٩)
* الْمَنَام الَّذِي أبصره الإِمَام عَامر الساوي بِمَكَّة
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي كتاب التَّبْيِين سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام أَبَا الْقَاسِم سعد بن عَليّ بن أبي الْقَاسِم بن أبي هُرَيْرَة الإسفرايني الصُّوفِي بِدِمَشْق قَالَسَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الأوحد زين الْقُرَّاء جمال الْحرم أَبَا الْفَتْح عَامر بن نجا بن عَامر الْعَرَبِيّ الساوي بِمَكَّة حرسها الله يَقُول دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام يَوْم الْأَحَد فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر الرَّابِع عشر من شَوَّال سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ بِي نوعا تكسر ودوران رَأس بِحَيْثُ أَنِّي لَا أقدر أَن أَقف أوأجلس لشدَّة مَا بِي فَكنت أطلب موضعا أستريح فِيهِ سَاعَة على جَنْبي فَرَأَيْت بَاب بَيت الْجَمَاعَة للرباط الرامشتي عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة مَفْتُوحًا فقصدته وَدخلت فِيهِ وَوَقعت على جَنْبي الْأَيْمن بحذاء الْكَعْبَة المشرفة مفترشا يَدي تَحت خدي لكَي لَا يأخذني النّوم فتنتقض طهارتي فَإِذا رجل من أهل الْبِدْعَة مَعْرُوف بهَا جَاءَ وَنشر مُصَلَّاهُ على بَاب ذَلِك الْبَيْت وَأخرج لويحا من جيبه أَظُنهُ كَانَ من الْحجر وَعَلِيهِ كِتَابَة
فَقبله وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَصلى صَلَاة طَوِيلَة مُرْسلا يَدَيْهِ فِيهَا على عَادَتهم وَكَانَ يسْجد على ذَلِك اللويح فِي كل مرّة وَإِذا فرغ من صلَاته سجد عَلَيْهِ وَأطَال فِيهِ وَكَانَ يمعك خَدّه من الْجَانِبَيْنِ عَلَيْهِ ويتضرع فِي الدُّعَاء ثمَّ رفع رَأسه وفيله وَوَضعه على عَيْنَيْهِ ثمَّ قبله ثَانِيًا وَأدْخلهُ فِي جيبه كَمَا كَانَقَالَ فَمَا رَأَيْت ذَلِك كرهته وَاسْتَوْحَشْت مِنْهُ ذَلِك وَقلت فِي نَفسِي لَيْت كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيا فِيمَا بَيْننَا ليخبرهم بِسوء صنيعهم وَمَا هم عَلَيْهِ من الْبِدْعَة
وَمَعَ هَذَا التفكر كنت أطْرد النّوم عَن نَفسِي كي لَا يأخذني فتفسد طهارتي
فَبينا أَنا كَذَلِك إِذْ طَرَأَ عَليّ النعاس وغلبني فَكَأَنِّي بَين الْيَقَظَة والمنام فَرَأَيْت عَرصَة وَاسِعَة فِيهَا نَاس كَثِيرُونَ واقفون وَفِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم كتاب مُجَلد وَقد تحلقوا كلهم على شخص فَسَأَلت النَّاس عَن حَالهم وَعَمن فِي الْحلقَة فَقَالُوا هُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَؤُلَاء أَصْحَاب الْمذَاهب يُرِيدُونَ أَن يقرءوا مذاهبهم واعتقادهم من كتبهمْ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويصححوها عَلَيْهِ
قَالَ فَبينا أَنا كَذَلِك أنظر إِلَى الْقَوْم إِذْ جَاءَ وَاحِد من أهل الْحلقَة وَبِيَدِهِ كتاب قيل إِن هَذَا هُوَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فَدخل فِي وسط الْحلقَة وَسلم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ فَرَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جماله وكماله متلبسا بالثياب الْبيض المغسولة النظيفة من الْعِمَامَة والقميص وَسَائِر الثِّيَاب على زِيّ أهل التصوف
فَرد عَلَيْهِ الْجَواب ورحب بِهِ وَقعد الشَّافِعِي بَين يَدَيْهِ وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده عَلَيْهِ
وَبعد ذَلِك جَاءَ شخص آخر قيل هُوَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَبِيَدِهِ كتاب فَسلم وَقعد بِجنب الشَّافِعِي وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده عَلَيْه
ثمّ أَتَى بعده كل صَاحب مَذْهَب إِلَى أَن لم يبْق إِلَّا الْقَلِيل وكل من يقْرَأ يعْقد بِجنب الآخر
فَلَمَّا فرغوا إِذا وَاحِد من المبتدعة الملقبة بالرافضة قد جَاءَ وَفِي يَده كراريس غير مجلدة فِيهَا ذكر عقائدهم الْبَاطِلَة وهم أَن يدْخل الْحلقَة ويقرأها على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج وَاحِد مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِ وزجره وَأخذ الكراريس من يَده وَرمى بهَا إِلَى خَارج الْحلقَة وطرده وأهانه
قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت أَن الْقَوْم قد فرغوا وَمَا بَقِي أحد يقْرَأ عَلَيْهِ شَيْئا تقدّمت قَلِيلا وَكَانَ فِي يَدي كتاب مُجَلد فناديت وَقلت يَا رَسُول الله هَذَا الْكتاب معتقدي ومعتقد أهل السّنة لَو أَذِنت لي حَتَّى أقرأه عَلَيْك
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأي شَيْء ذَاك
قلت يَا رَسُول الله هُوَ قَوَاعِد العقائد الَّذِي صنفه الْغَزالِيّ
فَأذن لي بِالْقِرَاءَةِ فَقَعَدت وابتدأت
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب قَوَاعِد العقائد وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول الْفَصْل الأول فِي تَرْجَمَة عقيدة أهل السّنة فِي كلمتي الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ أحد مباني الْإِسْلَام فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْحَمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يُرِيد ذِي الْعَرْش الْمجِيد والبطش الشَّديد الْهَادِي صفوة العبيد إِلَى الْمنْهَج الرشيد والمسلك السديد الْمُنعم عَلَيْهِم بعد شَهَادَة التَّوْحِيد بحراسة عقائدهم عَن ظلمات التشكيك والترديد السَّائِق بهم إِلَى اتِّبَاع رَسُوله الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واقتفاء صَحبه الأكرمين بالتأبيد والتسديد المتحلى لَهُم فِي ذَاته وأفعاله بمحاسن أَوْصَافه الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من ألقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد الْمُعَرّف إيَّاهُم فِي ذَاته أَنه وَاحِد لَا شريك لَهُ فَرد لامثل لَهُ صَمد لَا ضد لَهُ متفرد لاند لَهُ وَأَنه قديم لَا أول لَهُ أزلي لَا بداية لَهُ مُسْتَمر الْوُجُود لَا آخر لَهُ أبدي لَا نِهَايَة لَهُ قيوم لَا انْقِطَاع لَهُ دَائِم لَا انصرام لَهُ لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بنعوت الْجلَال لَا يقْضى عَلَيْهِ بالانقضاء تصرم الآباد وانقراض الْآجَال بل هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن .
وساق هنا هذا الكتاب إلى آخره ، أنظر لها طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ( ٦/ ٢٢٦-٢٤٠)
* مَنَام أبي الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن حرزهم
وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن حرزهم بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا زَاي وَرُبمَا قيل ابْن حرازهم لماوقف على الْإِحْيَاء تَأمل فِيهِ ثمَّ قَالَ هَذَا بِدعَة مُخَالف للسّنة
وَكَانَ شَيخا مُطَاعًا فِي بِلَاد الْمغرب فَأمر بإحضار كل مَا فِيهَا من نسخ الْإِحْيَاء وَطلب من السُّلْطَان أَن يلْزم النَّاس بذلك فَكتب إِلَى النواحي وشدد فِي ذَلِك وتوعد من أخْفى شَيْئا مِنْهُ فأحضر النَّاس مَا عِنْدهم وَاجْتمعَ الْفُقَهَاء ونظروا فِيهِ ثمَّ أجمعوا على إحراقه يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْجُمُعَة رأى أَبُو الْحسن المذعور فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ دخل من بَاب الْجَامِع الَّذِي عَادَته يدْخل مِنْهُ فَرَأى فِي ركن الْمَسْجِد نورا وَإِذا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا جُلُوس وَالْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ قَائِم وَبِيَدِهِ الْإِحْيَاء فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا خصمي
ثمَّ جثا على رُكْبَتَيْهِ وزحف عَلَيْهِمَا إِلَى أَن وصل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَاوَلَهُ كتاب الْإِحْيَاء وَقَالَ يَا رَسُول الله انْظُر فِيهِ فَإِن كَانَ بِدعَة مُخَالفا لسنتك كَمَا زعم تبت إِلَى الله تَعَالَى وَإِن كَانَ شَيْئا تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي
فَنظر فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورقة ورقة إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ وَالله إِن هَذَا شَيْء حسن
ثمَّ نَاوَلَهُ أَبَا بكر فَنظر فِيهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ نعم وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله إِنَّه لحسن
ثمَّ نَاوَلَهُ عمر فَنظر فِيهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ كَمَا قَالَ أبوبكر
ثمَّ فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتجريد أبي الْحسن من ثِيَابه وضربه حد المفترى
فَجرد وَضرب ثمَّ شفع فِيهِ أَبُو بكر بعد خَمْسَة أسواط وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّمَا فعل هَذَا اجْتِهَادا فِي سنتك وتعظيما فَعَفَا عَنهُ أَبُو حَامِد عِنْد ذَلِكفَلَمَّا اسْتَيْقَظَ من مَنَامه وَأصْبح أعلم أَصْحَابه بِمَا جرى وَمكث قَرِيبا من الشَّهْر متألما من الضَّرْب ثمَّ سكن عَنهُ الْأَلَم وَمكث إِلَى أَن مَاتَ وَأثر السِّيَاط على ظَهره وَصَارَ ينظر كتاب الْإِحْيَاء ويعظمه ويبجله أصلا أصلا
وَهَذَا حِكَايَة صحيحة حَكَاهَا لنا جمَاعَة من ثِقَات مشيختنا عَن الشَّيْخ الْعَارِف ولي الله ياقوت الشاذلي عَن شَيْخه السَّيِّد الْكَبِير ولي الله تَعَالَى أبي الْعَبَّاس المرسي عَن شَيْخه الشَّيْخ الْكَبِير ولي الله أبي الْحسن الشاذلي رَحِمهم الله تَعَالَى أَجْمَعِينَ.
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢٦٠- ٦/٢٥٨ )
أشعار أنشدها الإمام الغزالي
أنشد بنوقان في الجامع .
ارفُه ببال امرئ يمسي على ثقة
أن الذي خلق الأرزاق يرزقه
فالعِرْض منه مصون لا يدنسه
والوجه منه جديد ليس يُخلقه
إن القناعة من يحلل بساحتها
لم يلق في دهره شيئا يؤرقه
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢١)
قال أبو بكر بن العربي : أنشدني أبو حامد الغزالي لنفسه :
سقمي في الحب عافيتي
ووجودي في الهوى عدمي
وعذاب يرتضون به
في فمي أحلى من النعم
ما لضر في محبتكم
عندنا والله من ألم
( طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢٢)
قال أبو محمد التكريتي ، أنشدني أبو حامد الغزالي لنفسه :
حلت عقارب صدغه من خده
قمرا فجل بها عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها
ومن العجائب كيف حلت فيه
طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢٣)
أشعار أنشد الغير في الإمام الغزالي
أنشد أبو حفص الطرابسي :
هذب المذهب حبر
أحسن الله خلاصه
ببسيط ووسيط
ووجيز وخلاصه
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢٣)
وقال أبو المظفر الأبيوَردي ، يرثيه :
بكى على حجة الإسلام حين ثوى
من كل حي عظيم القدر أشرفه
فما لمن يمتري في الله عبرته
على أبي حامد لاح يعنفه
تلك الرزية تستوهي قوى جَلَدي
فالطرف تُسهره والدمع تنزفه
فما له خلة في الزهد تنكره
وما له شبهة في العلم تعرفه
مضى فأعظم مفقود فُجِعت به
من لا نظير له في الناس يخلُفه
وقال القاضي عبد الملك بن أحمد بن محمد بن المعافَى رحمهم الله تعالى :
بكيت بعيني واجم القلب واله
فتى لم يوال الحق من لم يواله
وسيّبت دمعا طال ما قد حبسته
وقلت لجفني واله ثم واله
أبا حامد محيي العلوم ومن بقي
صدى الدين والإسلام وفق مقاله
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢٣،٢٢٤)
مصنفاته ورسائله
له في المذهب : الوسيط ، والبسيط ، والوجيز ، والخلاصة .
في الفقه:
البسيط
هو كالمختصر للنهاية لإمام الحرمين .
( شذرات الذهب بزيادة ٦ /٢١)
الوسيط
هو أحد الكتب الخمسة المتداولة في المذهب الشافعي مثل مختصر المزني ( تهذيب الأسماء واللغات للنووي هو ملخص من البسيط وزاد فيه أمورا من الإبانة للفوراني ومنها أخذ هذا الترتيب الحسن الواقع في كتبه ، وتعليق القاضي حسين ، والمهذب واستمداده منه كثير كما نبه عليه في المطلب ( شذرات الذهب ٦ /٢١)
الوجيز
الخلاصة
بيان القولين للشافعي
عنقود المختصر في تلخيص إختصار مختصر المزني
المأخذ في الخلاف بين الحنفية
المبادي والغايات في قتل المسلم بالذمي
أسرار الحج
في أصول الفقه:
المستصفى
المنخول
قيل : إن ألف المنخول فرآه أبو المعالي ( إمام الحرمين ) ، فقال : دفنتني وأنا حي ، فلا صبرت الآن ، كتاب غطى على كتابي .(سير أعلام النبلاء للذهبي بتص ص ٣٦٧٢)
المكنون
مفصل الخلاف في أصول القياس
جواب مفصل الخلاف
أساس القياس
أساس المذاهب
تعليق الأصول
شفاء العليل في القياس والتعليل
غاية الوصول في الأصول
في علوم القرآن والتفسير
جواهر القرآن
أسرار الأنوار الإلهية بالآيات المتلوة
فواتح السور
مشكاة الأنوار ومصفاة الاسرار
هذا في تفسير أية النور وغيره ( هدي الساري بزيادة ٢/٨٠)
ياقوت التأويل في تفسير التنزيل
في أربعين مجلدا
الوقف والإبتداء
في التصوف:
إحياء علوم الدين
وهو الأعجوبة العظيم الشأن ( شذرات الذهب ٦ /٢١)
الإملاء على مشكل الإحياء
منهاج العابدين
قيل : هو آخر تآليفه ( الأعلام للزركلي ٧/٢٢)
مشكوة الأنوار
المنقذ من الضلال
المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى
حقيقة الروح
كتاب أسرار معاملات الدين
أخلاق الأنوار
المعراج
تنبيه الغافلين
القربة إلى الله
أسرار اتباع السنة
تلبس ابليس
عجائب صنع الله
اخلاق الأبراء والنجاة من الأشرار
أسرار الحروف والكلمات
أسرار المعاملات
أسرار الملكوت
أيها الولد
رسالة أكثر فيها من قوله : أيها الولد
بداية الهداية.
حياة القلوب
شفاء القلوب
غور الدور في المواعظ
مرشد السالكين
مشكاة الأنوار في لطائف الاخبار
هذا في المواعظ ( هدي الساري بزيادة ٢/٨١)
معارج القدس إلى مدارج النفس وفي الأعلام للزركلي معارج القدس في أحوال النفس
في مجلد موجود بدار الكتب كوبربلي( هدي الساري ٢/٨١)
معراج السالكين
معرفة النفس
نزهة السالكين
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
كتبه بالفارسية ، وترجم إلى العربية( الأعلام للزركلي ٧/٢٢)
في العقائد:
الإقتصاد في الإعتقاد
عقيدة المصباح
البدور في أخبار البعث والنشور
البيان في مسالك الإيمان
الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة
رسالة في رجوع أسماء الله تعالى إلى ذات واحدة
فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة
قواعد العقائد
كتاب التوحيد واثبات الصفات
المعتقد
عقيدة أهل السنة
في المنطق
معيار العلم
في الجدل:
اللباب المنتحل /في الجدل
المنتحل في علم الجدل
في الخلافيات:
المآخذ
ثم صنف كتابا آخر في الخلاف سماه تحصيل المأخذ( شذرات الذهب ٦ /٢١)
تحصيل المأخذ
في الرد :
المستظهري ( في الرد على الباطنية)
قواصم الباطنية ( في الرد على الباطنية وهو غير المستظهري )
تهافت الفلاسفة
بيان فضائح الإمامية
حماقة الإباحية
الرد على من طغى
الرد على الباطنية
الرد الجميل على من غير التوراة والإنجيل
القول الجميل في الرد على من غير الإنجيل
في علم الكلام
المقاصد في بيان اعتقاد الأوائل ( مقاصد الفلاسفة )
إلجام العوام في علم الكلام
مقصد الخلاف في علم الكلام
في الفتاوى
كتاب الفتاوى
هو مشتمل على مائة وتسعين مسألة ، وهي غير مرتبة وله فتاوى أخرى غير مشهورة ، أقل من ذلك . ( شذرات الذهب بزيادة ٦ /٢١)
شفاء الغليل في بيان مسالك التعليل
معيار النظر
مِحَكّ النظر
حصن المأخذ
تحصين المآخذ
كتاب الأربعين
الغاية القصوى
غاية الغور في دراية الدور
غور الدور ( في المسألة السريجية) رجع فيه عن السابق ( طبقات الشافعية الكبرى للسبكي) وفي الشذرات : وصنف في المسألة السريجية مصنفين ، اختار في أحدهما عدم وقوع الطلاق وفي الآخر الوقوع (شذرات الذهب ٦ /٢١)
كشف علوم الآخرة
الرسالة القدسية
ميزان العمل
المنهج الأعلى
حجة الحق
حجة الشرع
رسالة الأقطاب
مسلم السلاطين
القانون الكلي
معيار العلم
المبادي والغايات
الأجوبة
الطير
رسالة ( الأعلام للزركلي ٧/٢٢)
حقيقة القولين
الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهتة
الإشارة المعنوية والأسرار الحرفية
اشراق المأخذ
تحقيق المأخذ
بدائع الضنيع
تحفة الأدلة
حل الشكوك
حدائق الدقائق
خزائن الدين
الدرج
الدر المنظوم والسر المكتوم
ذكر العالمين
خاتم في علم الحروف
الرسالة القدسية بأدلتها البرهانية
الرسالة اللدنية
الرسالة المسترشدية
روضة الطالبين وعمدة المفتين
زاد المتعلمين
زاد الآخرة
زجر النفس
سبل السلام
سدرة المنتهى
السر المصون والجوهر المكنون
سرائر العبوب
سر العالمين وكشف ما في الدارين
صرة الأنام
عنصر النجاة
العنوان
غاية الفصول
فاتحة العلوم
فرض الدين
فرض العين
فضائح الاباضية
الفكرة والعبرة
قانون الرسول
القربة إلى الله سبحانه وتعالى
القسطاس المستقيم
كتاب الحدود
كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح
الكشف والتبيين
في غرور الخلق أجمعين
كنز العدة
كنوز الجواهر
كنز القوم والسر المكتوم
لباب اللباب
لب الألباب
كتاب السلوك
مدارج الاستدراج
مدرج الزلق
مرشد الطالبين
منقذ الهالكين
المسائل المستظهرية
مشكاة الأنوار في رياض الأزهار
المصالح والمفاسد
المعارف العقلية والحكم الإلاهية
مفتاح الدرجات
مقاصد الأقطار
مقامات العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء
المقصد الأقصى
مناقضات
المتحول
منشأ الرسالة في احكام الزيغ والضلالة
ميزان العمل
نير العالمين
يواقيت العلوم
الفرق بين الصالح وغير الصالح
الفارسية
كيمياء السعادة
النير المسبوك في نصائح الملوك
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
كتبه بالفارسية ، وترجم إلى العربية( الأعلام للزركلي ٧/٢٢)
( طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بنقص ٦/ ٢٢٤-٢٢٧ – شذرات الذهب ٦ /٢١)
وقال في الشذرات :وينسب إليه تصنيفان ليسا له ، بل وضعا عليه ، وهما السر المكتوم والمضمون به على غير أهله (شذرات الذهب ٦/١٩)
تنبيه
أسماء الكتب وجدناها إما في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي أو طبقات الشافعية لإبن كثير أو هدي الساري أو الأعلام للزركلي ووجدنا بعضها القليل في جميع هذه الكتب ، ولم نكتب مراجع الأسماء عندها لتعسر بنا ولكن كتبنا مراجع تفصيل الكتب وبيانها عنده .
مجمل حياته ( في لمحة )
هو مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين إِمَام أَئِمَّة الدّين من لم تَرَ الْعُيُون مثله لِسَانا وبيانًا ونطقا وخاطرا وذكاءً وطبعا شذا طرفا فِي صباه بطوس من الْفِقْه على الإِمَام أَحْمد الراذكاني ، ثم ارتحل إلى جرجان إلى أبي نصر الإسماعيلي ، فأقام عنده حتی کتب عنه التعليقة ثمَّ قدم نيسابور مُخْتَلفا إِلَى درس إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي طَائِفَة من الشبَّان من طوس وجد واجتهد حَتَّى تخرج عَن مُدَّة قريبَة وبز الأقران وجمل الْقُرْآن
وَصَارَ أنظر أهل زَمَانه وَوَاحِد أقرانه فِي أَيَّام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ الطّلبَة يستفدون مِنْهُ ويدرس لَهُم ويرشدهم ويجتهد فِي نَفسه وَبلغ الْأَمر بِهِ إِلَى أَن أَخذ فِي التصنيف ، وله نحو مئتي مصنف ثم بقي كذلك إلى انْقِضَاء أَيَّام الإِمَام فَخرج من نيسابور وَصَارَ إِلَى المعسكر واحتل من مجْلِس نظام الْملك مَحل الْقبُول وَأَقْبل عَلَيْهِ الصاحب لعلو دَرَجَته وَظُهُور اسْمه وَحسن منَاظرته وجري عِبَارَته وَكَانَت تِلْكَ الحضرة محط رحال الْعلمَاء ومقصد الْأَئِمَّة والفصحاء فَوَقَعت للغزالي اتفاقات حَسَنَة من الاحتكاك بالأئمة وملاقاة الْخُصُوم اللد ومنَاظرة الفحول ومنَاقرة الْكِبَار وَظهر اسْمه فِي الْآفَاق وارتفق بذلك أكمل الارتفاق حَتَّى أدَّت الْحَال بِهِ إِلَى أَن رسم للمصير إِلَى بَغْدَاد للْقِيَام بتدريس الْمدرسَة الميمونة النظامية بهَا فَصَارَ إِلَيْهَا وأعجب الْكل بتدريسه ومنَاظرته وَمَا لَقِي مثل نَفسه وَصَارَ بعد إِمَامَة خُرَاسَان إِمَام الْعرَاق ثمَّ نظر فِي علم الْأُصُول وَكَانَ قد أحكمها فصنف فِيهِ تصانيف وجدد الْمَذْهَب فِي الْفِقْه فصنف فِيهِ تصانيف وسبك الْخلاف فحرر فِيهِ أَيْضا تصانيف وعلت حشمته ودرجته فِي بَغْدَاد حَتَّى كَانَ تغلب حشمته الأكابر والأمراء وَدَار الْخلَافَة فَانْقَلَبَ الْأَمر من وَجه آخر وَظهر عَلَيْهِ بعد مطالعة للعلوم الدقيقة وممارسة الْكتب المصنفة فِيهَا وسلك طَرِيق التزهد والتأله وَترك الحشمة وَطرح مَا نَال من الدرجَة والاشتغال بِأَسْبَاب التَّقْوَى وَزَاد الْآخِرَة فَخرج عَمَّا كَانَ فِيهِ وَقصد بَيت اللَّه تَعَالَى وَحج ورجع إلى دمشق فدخله في سنة تسع وثمانين فلبث فيها يويمات يسيرة على قدم الفقر ، ثم توجه إلي بيت المقدس ، فجاور به مدة .
ثم عاد إلى دمشق ، وَأقَام فِي تِلْكَ الديار قَرِيبا من عشر سِنِين يطوف ويزور الْمشَاهد المعظمة وَأخذ فِي التصانيف الْمَشْهُورَة الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا مثل إحْيَاء عُلُوم الدّين والكتب المختصرة مِنْهَا مثل الْأَرْبَعين وَغَيرهَا من الرسائل الَّتِي من تأملها علم مَحل الرجل من فنون الْعلم وَأخذ فِي مجاهدة النَّفس وتغيير الْأَخْلَاق وتحسين الشَّمَائِل وتهذيب المعاش فَانْقَلَبَ شَيْطَان الرعونة وَطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إِلَى سُكُون النَّفس وكرم الْأَخْلَاق والفراغ عَن الرسوم والتزيينَات والتزيي بزِي الصَّالِحين وَقصر الأمل ووقف الْأَوْقَات على هِدَايَة الْخلق ودعائهم إِلَى مَا يعنيهم من أَمر الْآخِرَة وتبغيض الدُّنْيَا والاشتغال بهَا على السالكين والاستعداد للرحيل إِلَى الدَّار الْبَاقِية والانقياد لكل من يتوسم فِيهِ أَو يشم مِنْهُ رَائِحَة الْمعرفَة والتيقظ لشَيْء من أنوار الْمُشَاهدَة حَتَّى مرن على ذَلِك وألان ، ثم صار إلى مصر وتوجه منها الى الإسكندرية فأقام بها مدةواستمر يحول في البلدان ، ويزور المشاهد ، ويطوف على الترب والمساجد ، ويأوي القفار ، ويروض نفسه ، ويجاهدها جهاد الأبرار ، ويكلفها مشاق العبادات ؛ بأنواع القرب والطاعات إلى أن صار قطب الوجود ، والبركة العامة بكل موجود والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن ، والسبيل المنصوب إلي مركز الإيمان.
ثم رجع إلى بغداد ، وعقد بها مجلس الوعظ ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة ، وحدث بكتاب الإحياء. ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه لَازِما بَيته مشتغلا بالتفكر ملازما للْوَقْت مَقْصُودا نفيسًا وذخرا للقلوب وَلكُل من يَقْصِدهُ وَيدخل عَلَيْهِ إِلَى أَن أَتَى على ذَلِك مُدَّة وَظَهَرت التصانيف وفشت الْكتب وَلم تبد فِي أَيَّامه منَاقضة لما كَانَ فِيهِ وَلَا اعْتِرَاض لأحد على مَا أَثَره حَتَّى انْتَهَت نوبَة الوزارة إِلَى الْأَجَل فَخر الْملك جمال الشُّهَدَاء تغمده اللَّه برحمته وتزينت خُرَاسَان بحشمته ودولته وَقد سمع وَتحقّق بمَكَان الْغَزالِيّ ودرجته وَكَمَال فَضله وحالته وصفاء عقيدته ونقاء سيرته فتبرك بِهِ وحضره وَسمع كَلَامه فاستدعى مِنْهُ أَن لَا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لَا استفادة مِنْهَا وَلَا اقتباس من أنوارها وألح عَلَيْهِ كل الإلحاح وتشدد فِي الاقتراح إِلَى أَن أجَاب إِلَى الْخُرُوج وَحمل إِلَى نيسابور وَكَانَ اللَّيْث غَائِبا عَن عرينه وَالْأَمر خافيا فِي مَسْتُور قَضَاء اللَّه ومكنونه فأشير عَلَيْهِ بالتدريس فِي الْمدرسَة الميمونة النظامية عَمرها اللَّه فَلم يجد بدا من الإذعان للولاة وَنوى بِإِظْهَار مَا اشْتغل بِهِ هِدَايَة الشذاة وإفادة القاصدين دون الرُّجُوع إِلَى مَا انخلع عَنهُ وتحرر عَن رقّه من طلب الجاه ومماراة الأقران ومكابرة المعاندين وَكم قرع عَصَاهُ بِالْخِلَافِ والوقوع فِيهِ والطعن فِيمَا يذره ويأتيه والسعاية بِهِ والتشنيع عَلَيْهِ فَمَا تأثر بِهِ وَلَا اشْتغل بِجَوَاب الطاعنين وَلَا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين.
( تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري لإبن عساكر بنقص ص ٢٩١ – ٢٩٤ – طبقات الشافعية لإبن كثير ص ٥١٠،٥١١ – طبقات الشافعية الكبرى للسبكي بتصرف ،٦/١٩٧،١٩٩،٢٠٦،٢٠٧ – الأعلام للزركلي ٧/٢٢)
المراجع والمصادر
١- طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن علي بن عبد الكافي [السبكي ] المتوفي ٧٧١ ه ( دار إحياء الكتب العربية )
٢- طبقات الشافعية لعماد الدين اسماعيل بن عمر [ ابن كثير ] المتوفي ٧٧٦ ه ( دار المدار الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الأولي )
٣- تبيين كذب المفتري فيما تسب إلى الأشعري لناصر السنة حجة الحفاظ مورخ الشام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله [ بن عساكر ] الدمشقي المتوفي ٥٧١ ه ( دار الفكر ، الطبعة الثانية )
٤- سير أعلام النبلاء للحافظ أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان [ الذهبي ] المتوفي ٧٤٨ ( بيت الأفكار الدولية ، لبنان )
٥- العبر في خبر من غبر للحافظ أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان [ الذهبي ] المتوفي ٧٤٨ ( دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان )
٦- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لشهاب الدين أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي الدمشقي [ إبن العماد ] المتوفي ١٠٨٩ ه ( دار ابن كثير ، بيروت ، الطبعة الأولي )
٧- هدي العارفين لإسماعيل باشا البغدادي المتوفي ١٣٣٩ ه ( دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان )
٨- معجم المؤلفين لعمر رضى كحالة ( مؤسسة الرسالة )
٩- الأعلام لخير الدين الزركلي ( دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الخامسة عشرة )
١٠- الدر الثمين في أسماء المصنفين لعلي بن أنجب المعروف بإبن الساعي المتوفي ٦٧٤ ه ( دار العرب الإسلامي ، تونس ، الطبعة الأولى )
١١- طبقات الفقهاء الشافعية للإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهزوري المعروف. [بإبن الصلاح]المتوفي ٦٤٣ه( دار البشائر الإسلامية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولي)
١٢- طبقات الشافعية لأبي بكر [ بن هداية الله ] الحسيني المتوفي ١٠١٤ ه ( دار الإفاق الجديدة ، بيروت ، الطبعة الثالثة )
معجم البلدان للشيخ شهاب الدين أبي عبد الله[ ياقوت الحموي ] الرومي البغدادي المتوفي ٦٢٦ ه ( دار صادر ، بيروت )
أحوال الطيبين الصالحين عند الموت للدكتور سيد بن حسين العفاني ( دار العفاني ، القاهرة ، الطبعة الأولى )
★★★★
١) وفي هدي العارفين لا يعد أحمد جدا للغزالي بل عد أربعة أجداده متوالين بإسم محمد ، وقال : الغزالي أبو حامد — محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الإمام حجة الإسلان …. إلخ ( هدي العارفين ٢/ ٧٩)
٢) الطوس هي مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ تشتمل على بلدين يقال لإحداهما الطابران وللأخرى نوقان ( معجم البلدان ٤/٤٩
٣) قال في مختار الصحاح (شزر) : نظر إليه شزرا ، وهو نظر الغضبان بمؤخر عينيه
Leave a comment